حب على الطريقة الهندية

حب على الطريقة الهندية     2017/10/15 16:07 عدد القراءات: 691




لم أجرّب في حياتي مرضاً فتّاكاً مثل التعلق، ولم أجد راحة نفسية وسلام داخلي مثل اللاتعلق. وعايشتُ في حياتي الكثير من هذه الآلام، ورأيت الكثير من الأفلام الهندية والمسلسلات التركية!، ومنها العلاقة بين الجنسين. ومن الصعب جداً إقناع الطرفين بتلك المسرحية القائمة على مخيلة خصبة بينهما، خصوصاً حينما ننظر بوضوح مقدار الألم الذي يسببه التعلّق المَرَضي، فتنتهي العلاقة بحالة انتقامية وكراهية سوداء، لأنهما لم يحبّا بعضهما بقدر ما تعلق أحدهما بالآخر.

تبدأ العلاقة بتبادل مشاعر الإعجاب ومن ثم تتحول إلى مرض خطير، إذا تتحرك المشاعر بقوة عالية لتسقط أوهامها على من (تحب). وفي فترة التعلّق هذه يندر أن يشعر الاثنان بوجودهما من خلال هيمنة الغيبوبة بشكل كبير على وعيهما. يصعب التمييز بين الأشياء في هذه الفترة الحرجة، وقد يتهوّر أحد الطرفين بقرارات مصيرية لتنتهي فيما بعد في المحكمة!، ومَن يطّلع على الأرقام الإحصائية لحالات الطلاق سيفهم هذا الكلام بلا مكابرة.

رأيت بعض الشابات في حالات يرثى لها، لأنها تقوم بمسخ شخصيتها من خلال تقمص دور "الحبيب" لتثبت له أنهما متقاربان في الأفكار، حتى لو شعرت بالإهانة من حبيبها المُتَخَيَّل، وهذه الحالة لا يرضى بها حتى مسخ كافكا! المهم كل شيء مباح في هذه الفترة الهندية، فالمشاعر الحارقة ودقات القلب لا يسكنها سوى رضا الحبيب، من يدري ربما بعد سنوات يتّضح إنها نزوة جنسية!، أو مبادرة لملأ الفراغ القاتل، وبالطبع يحدث هذا بعد فوات الأوان.

ربما يحلو لها تقمّص دور التمارض والشكوى والفراغ لكسب ود بطلها الأسطوري، تلك الحالة النفاقية التي يقع بها الكثير ممّن يجتاحهم الاغتراب عن شخصياتهم الحقيقية ويدفعهم للوقوع في أوهام كبيرة. فالتعلق يضعف الشخصية، ويحيلها إلى كيان مهزوز، تتلاعب فيه المشاعر السامة، ويمسخ شخصيتنا الحقيقية، ويمكن لأصحاب التجربة أن يشعروا بما أكتبه.

أخبرني أحد المحامين أن أكثر حالات الطلاق تنبع أسبابها من هذا النوع من الحب الهندي!، فبعد هذه العلاقة يصطدم كل منهما بشخصية الآخر بعد رحلة طويلة من التقمّص والتمثيل والشعور بالمسؤولية الحقيقية، وتنتهي قصتهما الوهمية دون أن يفهموا ماهيّة الحب؛ هل هو نوع من الأنانية التافهة، أم علاقة قائمة على انفتاح لا مشروط بين الطرفين؟

لذا لم أجد علاقة صادقة ونابعة من دوافع نبيلة مثل الصداقة، لأنها لا تشترط هذا التمثيل والرياء والنفاق، بل تعتمد على تبادل الخبرات والتجارب وتعميق المسؤولية بينهما، بدلاً من هذه السادية المؤلمة، حتى التعاطي الجنسي يتحوّل اتحاداً بين الطرفين، كما لو أنهما سلسلة متكاملة تكتمل حلقاتها اثناء ممارسة الحب، وتغدو العملية الجنسية ترجمان أمين لهذا الحب اللامشروط. فالحيوانات تمارس الجنس مثلنا!، ومزيّتنا تكمن نحن بني البشر في هذا العطاء اللامشروط.

أتمنى من كل شابة أن لا تكون هدفاً لهذه الأوهام، وأن تعمق تجربتها عن طريق الصداقة لا التعلق المَرَضي، وتفهم الفارق الكبير بين الأنانية المشروطة، والحب اللامشروط.

يا إلهي! ماذا يفعل هذا الفراغ الملعون!

Top