ديمقراطية تبحث عن دولة!

ديمقراطية تبحث عن دولة     2017/10/12 22:02 عدد القراءات: 530




مشكلة النموذج المثالي حينما يألفه الذهن ويتحول إلى عادة، يبدو من الصعب عبوره والتغلب عليه. ذلك إن الآليات الجامدة التي لا وجود لها سوى في الذهن، تتحول إلى مساحة واسعة من الاغتراب: اغتراب بين الحقيقة كما هي وما نشتهيه ونرغبه. وبين هذين الضدين تتفاقم معاناتنا وتتوسع الهوّة ونفقد بوصلتنا في فهم الواقع.

بمرور الوقت تدفعنا هذه الحالة إلى العزلة والانكفاء، وليس بالضرورة أن تكون العزلة انقطاع عن الناس فحسب، وإنما عزلة عن الواقع وقسوته التي لا يمكن لنموذجنا المثالي اختراقها، وبالتالي نندب حظنا العاثر وجهل الناس كونهم لم يفهمونا!، ولم يحسنوا فهم رطاناتنا وأحجياتنا اللوغارتمية . طبيعي جداً في مثل هذه الحالة المأساوية نحلم بقيام عَلمانية حتى لو لم تكن هناك دولة!، ونطالب بحقوق إنسان وحقوق مرأة مماثلة تماماً لما هو موجود في المجتمعات الأوربية، حتى لو كانت البنية العشائرية هي الأساس الذي يشكّل ذهنية الفرد العراقي.

يذكر المؤرخ القدير إيريك هوبزباوم ما مضمونه : في بدايات الثورة الفرنسية حدثت الكثير من الفورات التنظيرية .. بمعنى ظهرت الكثير من النماذج المثالية . فحينما نرغب بديمقراطية أو عَلمانية أو مجتمع مدني، فما نحتاجه فرض الديمقراطية من تحت وليس العكس، أي تبدأ الديمقراطية من المجتمع، ذلك انه لو بدأت من فوق لن تنفع سوى النخب السياسية كآلية لاستلام الحكم، وهذا ما تفعله الأحزاب العربية، حيث تتضخم السلطة على حساب الدولة، ذلك إن البناء العربي بناء هرمي، فلا يجرؤ أحد ما أن يحاكم رأس الهرم، وما السلطة التشريعية سوى حبر على ورق . وكما هو معلوم إن ترسيخ الوعي الديمقراطي يحتاج إلى قوة أقناع للفئات المهمّشة في المجتمع، وبالتأكيد سوف نحتاج جهداً لا يقل عن عقدين من الزمن على أقل تقدير من خلال الإعلام المرئي والمسموع والمقروء لترسيخ فكرة الديمقراطية، وعلاوة على هذا ينبغي ظهور نخب تؤمن بالديمقراطية متجاوزة طموحاتها الشخصية التافهة، وإلا فإن الديمقراطية ليست ثقافة، بقدر ماهي سعي دؤوب يقع على عاتق بناة الدولة الذين يؤمنون ببناء الدولة الديمقراطية، لا دولة الطوائف والقبائل . إن نشوء الديمقراطية يتزامن عادةً مع وجود دولة واضحة المعالم، والعراق أبعد من ذلك بكثير. إن الأمر معقد!، ولا زلنا نحاول نحن العراقيين أن نجد برنامجاً واضحاً للتحول الديمقراطي، و سيكون لمراكز البحث والنخب المثقفة ووعي الشعب الكلمة النهائية، وسنكون نحن الأفراد وسط هذه الصيرورة (التحول ) نساهم أولاً وأخراً في تعميق وعينا المرتبط بواقع الأموركماهي لا كما نشتهي.

لكن هل ظهرت هذه النخب المزعومة التي تؤمن بالديمقراطية؟ أم لا زالوا ديمقراطيين شكلاً، وطائفيين وعشائريين مضموناً؟. إن ما يسمّى" التحول الديمقراطي" لم يحدث حتى هذه اللحظة في العراق مع شديد الأسف، بل كل ما فعلته الأحزاب الرجعية التي تحكم العراق الآن، هو سرقة الديمقراطية والصعود عليها، وإحالتها إلى صناديق انتخابية فقط، وتبقى رؤوس العراقيين مغلقة عن مبادئ الديمقراطية، فيما تفتح صناديق الانتخابات على مصراعيها!. وبالطبع إذا كان حال "النخب" لا يختلف عن أبسط الناس في التعاطي الديمقراطي، فلنقرأ على الديمقراطية السلام.

Top