كل شيء على ما يرام أيها الكومبارس

كل شيء على ما يرام أيها الكو     2017/10/04 17:38 عدد القراءات: 638




أغلب ما نكتبه نحن الفيسبوكيين لا يمثل حقيقتنا بالضرورة، بقدر ماهي شخصيات نحلم بها. الرغبة أو العطش للحصول على شيء ما يدفعنا لكي نكتب مثلما يكتب الآخرون!، ونلعب أدواراً مسرحية لا تمثل واقعنا، فالأدوار تمسخ ما نحن عليه وتحيلنا إلى ما نحلم به، وهذا الأخير يبعدنا عن رؤية الواقع كما هو ويحيلنا إلى كائنات مفصولة عن حالات العيش الحقيقية.

بالتأكيد إنها ليست دعوة للحجر على ممارسة الكتابة، لكن شخصياً أركز على تلك المشاكل المُتَخَيلة التي نفتعلها في أوقات الفراغ حينما ننحني أمام الكيبورد، والثورات التي نفجرها أمام الشاشة المُغرية، عسى ولعل أن تخفف معاناتنا! وشعورنا بالنقص تجاه الآخرين حتى لو لم نكن نتملك الأدوات اللازمة.

تحاول الشابّة أن تثأر بطريقة رمزية لواقعها التي تحلم به، فتتبنى الحركة النسوية على سبيل المثال، وتخلق عالمها الافتراضي حتى لو لم تكن تؤمن به، المهم في الأمر إنها رغبة جاءت فلابد من التعاطي معها بطريقة افتراضية لا تخلو من احتراف!، لكن ما إن تستيقظ من هذا الحلم ستجد أن هناك ألم مضاعف على وشك الظهور، وازدواجية تجعلها في تحدٍ مؤلم لاكتشاف شخصيتها الحقيقية، لكنّها تنتصر مرّة أخرى - بدافع الكبت - لشخصيتها المتخيلة فتحاول إرواء عطشها من خلال انتظار آيات المديح والثناء. وهكذا تبقّى مًعَلَّقَة على مذبح العالم الأزرق.

معظم الشباب يهرولون إلى الكتب بدافع العطش والنكبة التي تهز كيانهم، فيحلمون بعالم خالٍ من الأوجاع ودولة علمانية وحقوق إنسان وعلاقات عذرية على طريقة روميو وجولييت، وافتعال مشاكل بين الملحد والديني وإثارة موضوع الحجاب وحقوق المرأة وحريتها، حتى أن المرء يصاب بالدهشة وينتابه القلق من أن هناك ثورة تنويرية على وشك الحدوث، إذ لمجرد الاطلاع على مدوناتنا سنكتشف حجم "التنوير" الذي ينتشر في الفيس بوك انتشار النار في الهشيم، لكن سرعان ما نعود إدراجنا حينما نلتقي ببعضنا نحن المدونين الحالمين.

ليس المهم قراءة الواقع بل المهم كل المهم أن نقرأ الكتب ونحدد على ضوئها طبيعة الواقع؟!، ما يهم هنا الغرق في عالم النموذج المثالي، ذلك النموذج الذي يهبنا السلوى والعزاء ويبعدنا عن صخرة الواقع الصلبة التي تتحطم أمامها أشواقنا الصبيانية، ونحن بهذا كالعطشان الذي يرتوي من الماء المالح، لا يمكن تسكين عطشه لو شرب البحر كله.

نتعلم كثيراً من هذا العالم الافتراضي من خلال العلاقات التي جمعتنا ببعض الناس النادرين، ومن زاوية أخرى نرى فيه العجب العجاب فيمكن لإشكالية كبرى وعويصة أن نروّج لها بهشتاغ لا يقل عن ثلاثة أيام، ثم يرجع كل شيء على ما كان عليه!، إنّه عالم قائم على التبسيط والخداع الذهني والفصل الحاد والمؤلم بين طموحاتنا التي تصل إلى عنان السماء، وبين هذا الواقع المصاب بالجذام ولا يجرؤ أحد منّا التقرّب منه، لذا نرمي بأنفسنا صوب "بلبل الأرواح" الفيس بوك، ويهدهد على رؤوسنا ويقول لنا: كل شيء على ما يرام أيّها الكومبارس!

Top