ديانة حزبية

ديانة حزبية     2017/10/01 21:23 عدد القراءات: 871




بغداد اليوم 

يتفاضل الناس فيما بينهم اعتماداً على ما يقدمونه من عمل منتج . المتدين وغيره يتفاضلون بهذه الطريقة العادلة في التقييم إلى حد كبير. فالهويات مهما كانت قداستها لا تعصم منتحليها، ولا تهبهم ذلك الامتياز السحريّ مالم يقدموا النموذج الناصع لسلوكهم، كالبذل والمساعدة والعمل المتواصل لخدمة الآخرين.

أمّا الالتواءات التي تحدث بدعاوى تميزية مضحكة من خلال شيطنة ديانة بأكملها بحجج غير منطقية، أظنّها دعاوى تقع في التعميم المغلوط تارة والتعمّد تارة أخرى، فتقدم الدولة وبنائها لا توقفه ديانة معينة تماماً؛ فماليزيا، تركيا، وإيران يتقدمون بشكلّ واعد دون أن يمنعهم  الدين من ذلك تماماً.

ما بين هذا وذاك يقدّم لنا المفكرون خطاباً نقدياً متوازنا لما نسميه نقد الخطاب الديني، فهذا الأخير أداة تقويمية رصينة لفهم النص ومحاولة أنتاج قراءة جديدة تعتمد الراهن وتقطع مع فهم الأسلاف بشكل عام، لكي لا يتحول الدين إلى حجرة عثرة في طريق التقدم، مثلما نشاهده في الاتجاهات السلفية المتزمّتة التي ترى من قيادة المرأة للسيارة جريمة شرعية!.

وبالتأكيد يجري هذا الخطاب على عكس مشتهيات الكثير من الفقهاء، وهذا أمر آخر ينضاف إلى جملة التحديات التي تقاومها المؤسسة الدينية عادةً لمحاربة كل ماهو جديد بدعاوى " البدعة"، يصل الأمر لمستوى التكفير و" الخروج عن الملّة"، والتحريض ضد المجددين بمختلف الأساليب.

نكمن خطورة الدين حينما يتحوّل إلى أيدلوجيا سياسية، ويتم من خلاله تكريس كل القيم الروحية للتعبئة الشعائرية  ليتحوّل إلى " ديانة شعبية" من جهة، وتحجيمه مذهبياً ليغدو الدين مذهباً يندد بالآخر المخالف من جهة أخرى، وقد كان لهذا الأمر خسائر فضيعة بالأرواح جرّاء الحروب المذهبية التي كانت ترفع شعار"الطائفة الحقّة".

ربما في مراحل مهمّة من تاريخ الدولة السياسي يتم الاعتماد على الدين كقوّة ضاربة وعقيدة عسكرية لكي تلهب الوجدان العقائدي للمواطن، لكن في مراحل الاستقرار السياسي والاقتصادي يغدو الدين مؤسسة ربحية للتجار والمنتفعين من السياسيين الانتهازيين، وبهذا يتم ضرب الدين ككيان روحي في صميمه.

يلتقي السلفي والسياسي في نقطة محورية، وهي مقاومة أي تغيير يمكنه أن يحرك الجمود العقائدي، ذلك إنهما لا ينتفعان من هذه الخطوات الثورية، ففي تجديد القراءات خسران مبين لكلاهما. ومن هذين الاثنين نتعلم كل صنوف المقاومة الصلبة! التي تستبسل في تدوير الجامد والرتيب للهيمنة على الوجدان الشعبي بمقولات تتخذ صفة القداسة ليضمنا وجودهما على قمّة الهرم.

يتساءل المرء، ما لذي يتبقّى لجوقة الخضراء التي تتلبس لبوس الدين، جاعلةً إيّاه جسراً لفسادهم وويلاتهم التي سيذكرها التاريخ باعتبارهم أحزاب تستمد قدرتها التحشيدية من الدين؟.

أظنّها ستكون مقدمة جليّة لعزوف هذه الأجيال من الدين، لأنّها لم تجد تلك القيّم الروحية، وبتعبير أدق: لم يعثروا على أشواقهم القلبية في الدين، ذلك أن الوسط المتدين لايحرك ساكناً بشكل عام من، ولم يجد موقفاً حازماً من رجال الدين، يصل إلى حد الفتيا لإنقاذ الدين على الأقل، وإلّا الاكتفاء بمقولة" هؤلاء لا يمثلون الدين" تحتاج إلى نموذج ناصع لإقناع الناس، هذا أن كان هناك حرص حقيقي على الدين.

Top