دستور عشرة بربع

دستور عشرة بربع     2017/09/24 18:47 عدد القراءات: 838




يجري تسويق المحاصصة بتبريرات تافهة وسطحية من خلال احتقار شعب بأكمله، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ومنها: أن الشعوب العربية لا تحسن الديمقراطية، ما يعني هذا أن الشعوب الأوربية كانت مدعومة بجحافل من ملائكة السماء لإرساء الديمقراطية، أو أن هذه الشعوب ديمقراطية بالفطرة!

والحقيقة لم تكن الديمقراطية في يومٍ ما ثقافة، وإنما من عمل بناة الدولة الذي يرسون دعائم الديمقراطية، وبالطبع لا ينتظرون تلك (الثقافة الديمقراطية) المزعومة من الشعوب، ذلك إن الشعوب الأوربية لم تكن مثقفة ديمقراطياً وإنما كانت موجهة بنخب ديمقراطية.

والحجة الثانية: أن العراق بلد ريعي ولا يمكن قيام ديمقراطية حقيقية في بلد يعتاش على ريع النفط. وهذه الحجة على الرغم من شكلها المقنع إلا أنها لا تكفي، لأن قائلها كما لو أنه لا يريد تحويل الريع النفطي إلى بنية تحتية صناعية ويكتفي بعرض الإشكالية بلا حلول.

 

 والدفاع عن المحاصصة هو موافقة ضمنية على خرابيط الدستور بالتأكيد!، لأن (دستورنا) الكشكول لا يعبّر عما يسمّى "الإرادة العامّة" بل يعبّر عن الإرادة الكردية والفيتو الكردي، فلا يمكن إجراء تعديلات فيما لو استخدم الكرد حق النقض.

يجري تسويق هذه المكيدة على أنها "واقع حال"، وما نعلمه أن واقع الحال ليس أيقونة سماوية فهذا شغل المفكرين اللامعين في كيفية تذليل المصاعب، وإن كانت هناك مصاعب وتحديات ( وهي موجودة بلاشك) ينبغي تذليلها عبر إشاعة الديمقراطية وتأسيس أحزاب ديمقراطية وليست "عرباين" طائفية مصحوبة بجوقة من الانتهازيين والمطبلين للمحاصصة الطائفية.

تبدأ مشاكلنا من هذا الدستور الغريب العجيب الذي لايختلف عن" البسطية" بشيء التي تتجمع فوقها أشكال متنوعة من الخردة، شبيهة بالتي نراها في السوق المزدحمة في الباب الشرقي. إنهم يعلمون جيداً بدستورهم المخزي، الذي لا يمكنه جمع فصيل من الكشّافة، لكنّه صُمّمَ لكي نبقى نتطاحن أبد الدهر، ومن ثم نشتم أنفسنا كوننا شعب لا يحسن الديمقراطية!

في هذا الدستور لكل بضاعة سعرها الخاص؛ بضاعة السني غالية ونفيسة ويمكنها أن تحرق بلد بأكمله ليتحول إلى حروب طائفية للصراع حول السلطة، والبضاعة الشيعية القائمة على الأغلبية الطائفية، التي لازالت تتخبط أحزابها في أكبر عمليات فساد شهدها التاريخ السياسي، والبضاعة الكردية التي تلوّح بالانفصال كلما احتاجت إلى ابتزاز ثقيل!.. ليس على مسعود - ومن خلفه القرار الإسرائيلي - سوى التلويح بالانفصال للحصول على زبائن ومستهلكين وممولين أكثر.

دستورنا لا يسمح بتشريع قانون ضد الحرية، ولا يسمح بتشريع قانون ضد الشريعة الإسلامية، ولأول مرة في التاريخ تتعانق الحريات الدينية والحريات المدنية في دستور العراق، ومن ثمّ لا يحق لنا الاستفسار عن هذه التناقضات، التي كما يبدو تم تدوينها من قبل "بنجرجي" مستجد.

كل شيء مستباح في هذا البلد، وتصل الحريات لمستوىً من الفوضى، خصوصاً حرية التعبير عن الرأي. لكن يظهر أن هذه الحريات الكرتونية صُمِمَتْ للتنفيس عن بؤسنا، وكأن لسان حال السياسيين يقول: لكم حرية الرأي ولنا دستور يحمينا، ويمكنه تقسيم البلد إلى إشلاء، وليس علينا سوى حزم أمتعتنا للهرب إلى أوطاننا الحقيقية، وليذهب عراقكم إلى الجحيم.

Top