عن جالياتنا الثلاث

عن جالياتنا الثلاث     2017/08/23 18:28 عدد القراءات: 756




في معظم البلدان الأوربية توجد جاليات مغتربة عن بلدها الأم. تتباين الجاليات المغتربة فيما بينها في همومها ودرجات اغترابها، لكنّها تلتقي في مشتركات كونها تنتمي لنفس التاريخ والمخيال والعادات الثقافية بشكل عام.

مؤكد أن للمغتربين شجونهم الخاصّة وتطلّعاتهم المستقبلية ونحو ذلك من الأمور، يجمعهم حنين مشترك لملاعب صباهم واللحظات العذرية الأولى التي صادفوا فيها حبهم الأول، وأغلبهم ينطبق عليهم " بلدي عزيز وإن جار عليّ".

يمكن القول من هذه الناحية أن السمة المهمة التي تجمعهم هو الاغتراب، وبذات الوقت يبدون امتنانهم وشكرهم اللّامحدود للبلدان التي آوتهم واحتضنتهم بدوافع إنسانية.

لكن وبما أن حركة التاريخ تيار متدفق مثلما يتدفق الماء، فما نشاهده في الدفق الأول من مويجات الماء لا يشبه الدفق الثاني من المويجة التالية، وكما يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس "إنك لاتعبر النهر مرتين".

منطق حركة التاريخ هذا بإيقاعه التطوري ينطبق على الجاليات التي تقطن العراق اليوم: الجالية الأمريكية، الجالية الإيرانية، الجالية السعودية.

هؤلاء الثلاثة يجمعهم الاغتراب وجلد الذات معاً، إنهم مغتربون في بلدهم ويكرهونه حد الشتيمة والكفران بتاريخه والانسلاخ الكليّ عنه. تشنّ هذه الجاليات المُعَذَبَة بدونيتها إبادة على أوطانها عن طريق تحقير الذات وجلدها والتنكّر لإرثها التاريخيّ بشكل مخجل.

يتساوى عندهم التاريخ كما يتساوى ترامب مع نعوم تشومسكي!، وبهذا نكون مصداقاً للمثل الشعبي " خلط بالزوج"!

لم يحددوا مصائر تاريخهم من خلال عزل الغث من السمين، فهذا الأمر يشعرهم بالعار من جهة ويفسد عليهم لذة الإعجاب الغربي بهم من جهة أخرى.

 

 إنهم لا يقنعون بمقابل رخيص إلّا إذا كان ثمنه عالياً وهو تحقير كل ما هو عربي جملةً وتفصيلاً.

 

كل ما هو عربي يغدو عاراً وفضيحة: إسرائيل دولة ديمقراطية والفلسطينيون " يطبهم مرض " ولا يستحقون أرضهم ولا تاريخهم ولابد أن نسلّط عليهم تياراً كهربائياً صاعقاً ونبخّرهم عن بكرة أبيهم لنرضي طبيعتنا المازوشية الذليلة.

 والولايات المتحدة على حق، لأننا شعوب همجية ولا نستحق الديمقراطية، والحصار الاقتصادي المنحط كان ضد صدام وليس ضد الشعب العراقي وإذلاله.

 ويحلو لنا التهكّم على السعودية كونها دولة مارقة وإرهابية لكنّنا نقتطع ثلاثة أرباع الحكاية حينما نصل إلى الجزء الممتع، وهو دعم الولايات المتحدة لحفنة آل سعود الإرهابية.

ضمن هذا السياق التحشيشي يجري تحقير العرب والنيل منهم جملةً وتفصيلاً.

مؤكد إن للعرب كأمة لها ميّزاتها الثقافية تعاني من تحديات كبيرة ونقاط ضعف واضحة، ولا أحد يدّعي إن العرب في لحظتنا المعاصرة صنعوا محطّة فضائية أو اكتشفوا مجّرة جديدة، كلما في الأمر أن ترحم الجاليات الثلاث أنفسها وتفصل بين جلد الذات والتحشيش، وبين النقد الذي يساهم في تذليل الصعاب.

لو كانت هناك ثقافة تعرّضت لكل هذا التحدّي لزالت من الوجود ، ولكانت عبارة عن ذكريات..

نعم الواقع بائس وحقير ويدعو للحيرة، لكنّه ليس مبرراً لنشنّ حملات انتقامية على أنفسنا!

Top