الرايات الملونة والرايات السود

الرايات الملونة والرايات الس     2017/07/01 19:05 عدد القراءات: 2638




ازهر جرجيس

 

طوال سنواتٍ لم أتعرّض لموقف محرج كالذي تعرّضت له البارحة. كنت في زيارة قصيرة لصديقي اللدود محمد ثامر، وكان لزاماً عليّ، كتقليدٍ اتبعته منذ الصبا، أن أقدم هدية لمضيّفي تعبيراً عن اشتياقي وسعادتي بلقياه، ولأنّ صاحبي مميّز وذو ذوق رفيع، وقعت في حيرة من أمري؛ ماذا عساني أهديه؟ كيف أرسم السعادة على وجهه وأصنع لمعة فرح في عينيه؟ أهديه لوحة رسم مثلاً؟ من يضمن لي إعجابه بها وهو خرّيج أكاديمية الفنون العريقة من بغداد الجميلة؟ أهديه باقة ورد؟ زحمة، الورد يُهدى عادةً للجنس الآخر، ثم أين يضع محمد الورد وليس في بيته ما صُنع من الزجاج إلا كؤوس النبيذ ذوات السيقان الرشيقة؟! أهديه موبايل؟ ما يستاهل، بعدين عنده آيفون سڤن قيل بأنّه حصل عليه نتيجة عملية "قَط" سريّة لعلها ستُكشف لاحقاً لرواد موقع فيسبوك.

والله حيرة! ماذا عساني أن أهدي صاحبي ورفيق غربتي في هذا اليوم النرويجي المشمس؟ كنت حائراً حقاً وأنا أخرج من متجر وألج آخر بحثاً عن هدية لائقة، حتى أخذتني قدماي نحو شارع كارل جوهان وسط المدينة. كان الشارع مكتظاً بالمارة والسُيّاح والمتبضعين، وكانت الحافلات الملونة والمكشوفة السقف تقف على جهة اليمين لتنقل من يرغب في نزهة حول المدينة. أما المحال والمتاجر والمقاهي والبارات التي تصطف على جانبي الشارع فقد لبست لون قوس قزح وعلّقت أعلام الزينة. لم أكن ملتفتاً للمناسبة، ولم أرَ أوسلو على هذه الهيئة منذ سنين! نعم الدنيا صيف والحرارة تعدّت العشرين بخمس درجات وهذا ما لا يحصل إلا في أيام معدودة من السنة، إلا أنّ الاحتفال كان مبالَغاً به! ثم ما معنى ألوان قوس قزح بالتحديد؟! هل سيهطل المطر بعد قليل ويطلّ علينا القوس من بين القطرات المعلّقة في السماء؟! والله غريبة!

على كل حال؛ قطعت الطريق ذهاباً وإياباً، تناولت الآيس كريم من عربة ملوّنة يقودها شاب عشريني أكثر ميوعةً من الآيس كريم ذاته، وقفت عند فرقة صبايا يرتدين فانيلات بيضاء ويربطن خصائلهن بأشرطة قوس قوزح، رميت قطعة معدنية في طاسة نحاسية أمام عازف كمان مهاجر، ثم اشتريت راية قوس قزح صغيرة وذهبت إلى بيت صاحبي. كان محمد بانتظاري عند الباب، وحالما صافحته أهديته الراية، فقال شكراً وأدخلني بيتَه العامر. كان مبتسماً وهو يشتل الراية الصغيرة في قدح نبيذ فارغ. سألته عن سر الابتسامة الخبيثة، فقال: أبو الزوز، الظاهر الزهايمر حيل مستعجل عليك؟.. ليش يا ستّار؟! سألته فأجاب بأنّ هذه الأيام هي أيام مهرجان المثليين والتي ستنتهي بعد يومين، وبأنّ هذه الراية الصغيرة لهي راية المثليين التي يرفعونها بفخر تعبيراً عن انتمائهم أو تأييدهم للمثليّة العالمية.

يا الله! كيف فاتني هذا؟! وكيف اختلط عليّ الأمر ولم أنتبه؟! ماذا فعلت بحالي؟! ومع مَن؟! مع محمد ثامر الذي لا يشتهي التصنيف؟! كان موقفاً محرجاً بحق، لكنّي تداركت على الفور وضحكت ضحكة طويلة، ثم أجبته: أبو جاسم، الظاهر إنت المصاب بالزهايمر المبكر، وإلا بشرفك أكو واحد ما يعرف الفرق بين قوس قزح وشعار المثليين؟ إسسسه يا الله! فقال ما سبب إهدائك لي إياها إذاً؟! فقلت: حتى تتذكر دائماً يا صاحبي بأنّ الألوان مهما كانت دلالتها، ستظل أجملَ وأكملَ من الأبيض والأسود، وبأنّ الرايات الملوّنة مهما كانت غرائبية ومثيرة للجدل، ستظل أسلمَ وأرحمَ من الرايات السود. شكرني صاحبي على الهدية من جديد وذهبنا نشتري الآيس كريم من عربة ذلك الشاب المسالم وسط المدينة.

Top