لن أنتخبك يا سيّد يَنس

لن أنتخبك يا سيد ينس     2017/11/29 11:58 عدد القراءات: 368




في الأشهر الأخيرة من عمر حكومة اليسار النرويجي، وقبل أن يتسيّد اليمين المشهد السياسي، قام السيّد يَنس ستولتنبيرغ بحركة دعائية ملفتة. كانت حركة مباغتة، انتشرت في الميديا انتشار النار في الهشيم. كان السيّد يَنس قد تخلّى عن بدلته الأنيقة وارتدى زِيّ سائقي التاكسي مع نظارة شمسية، ليهيم في طرقات أوسلو بحثاً عن حكايات شعبه ومعاناتهم. يعلم السيد ستولتنبيرغ جيداً بأنّ شعبه قليلو الشكاية بطبعهم، ويعلم بأنّهم مصنّفون في المرتبة الأولى على مستوى الشعوب المرفَّهة، ويعلم بأنّهم يستمتعون باسترخاء وهدوء عجيبين، لكنّه أراد أن يستمع لهم، ويعرف شكايتهم دون المرور بفلاتر السكرتاريا ومرشّحات الوسطاء. كانت "غايته" وهكذا يظهر لمتابعيه، الاستماع فقط، ومشاركة الناس همومهم، ثم محاولة حلّها.

في حركة مثل هذه، لو حصلت، بشكل تلقائي دون تقليد أو استنساخ، في واحدة من بلدان العالم الثالث لرأيت الشعوب تقلّده منصب النبوة بلا منازع، بل لرأيت له ستين تمثالاً تملأ الشوارع تحت عنوان "القائد العظيم"، فمنصب الرئيس في بلادنا ليس وظيفة حكومية تنتهي بانتهاء الفترة الرئاسية، حاشا، بل هو منصب شبه إلهي يجب تقديسه ومنحه هالة رحمانية.

إذاً جلس السيد ستولتنبيرغ خلف المقود وتنقل بين شوارع العاصمة أوسلو بأريحية كبيرة. سأل الركّاب عن معاناتهم، وعن نيتهم في الانتخابات القادمة. استمع لهم. تعرّف عليه بعضهم، واشتبه الأمر على آخرين. ناقشه البعض، واعترض عليه الآخر، المهم أنه نزل إلى الشارع واستمع إلى الناس في حركة انتخابية جديدة. لكنْ، ومثل هذه الـ كن تتردد كثيراً في التعاطي مع الشعوب الواعية، لم ينفعه الأمر، ولم تجلب حركته الملفتة النتائج المرجوّة، بل سقطت حكومة اليمين في الانتخابات التشريعية، وفازت منافسته آرنا سولبيرغ التي اقتصرت في دعايتها الانتخابية على شرح برنامجها الانتخابي في الميديا دون الحاجة الى ركوب التاكسي.

الدعاية الانتخابية مشروعة بل واجبة كي يفهم الناخب برامج المرشحين وتكتمل لديه الصورة، لكنّها مهما كانت غريبة وجديدة ومختلفة لن تنفع المرشَّحين ما لم تتضمن برنامجاً انتخابياً عملياً مفيداً. ما فائدة أن تبتسم للناخب؟ ما فائدة أن تدّعي الإصلاح؟ ما فائدة أن تجلس على فيسبوك ٢٤ ساعة في اليوم لتقول بأنك ستحارب الفساد؟ ما فائدة تغريداتك الغزيرة؟ ما فائدة كل هذا وليس لديك برنامج انتخابي واضح النقاط؟ ولو افترضنا جدلاً أن لديك مثل هذا البرنامج، فما الفائدة إن كان معطلاً لا تتم محاولة تطبيقه إلا في الشهر الأخير من عمر حكومتك؟ اصنعْ ما شئت من دعاية، واهتف، وغرّد، وابتسم، واحمل مكنسة، فإنّك لن تنجح في الانتخابات، ولن تنطلي حركاتك على الناخب ما دمتَ لا تملك برنامجاً واضحاً نافعاً قابلاً للتنفيذ. هذا بالطبع، ما سيقوله لك الناخب حين يكون بمستوى تلك العجوز التي قالت للسيد ستولتنبيرغ في التاكسي: لن أنتخبك يا سيّد يَنس لأنّ حكومتك سيئة.

Top