صوّر صوّر

صور صور     2017/11/25 14:43 عدد القراءات: 481




أزهر جرجيس

بين الفينة والأخرى ينتشر مقطع ڤيديو على شبكات التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم. والغالب على ڤيديوهات الفيسبوك وأخواته، هو التصوير بكاميرا الهاتف المحمول. هذا الجهاز الذي بات رقيباً حتى على صوت شخيرنا.

يصادف أنّك كنت مدعواً إلى حفلة عرس مثلاً، وأُرغمتَ على مجاملة صديقك العريس بهزة كتف خفيفة، في هذه الحالة توقع أنّ أحد المهووسين بالموبايل قد كمن لك من خلف المنضدة وليصوّر لك مقطعاً سريعاً سوف يُنشر مرفقاً بعنوان "فضيحة فلان". نعم إنها فضيحتك التي ستطاردك بمقدار تداول المقطع "الفضائحي" على صفحات السوشيال ميديا.

تصور كذلك أنّك كنت جالساً في إحدى الحدائق العامة مع صديقة ما أو حبيبة أو حتى زميلة، وأنّ حظك العاثر ساق أحد الزعاطيط المبهورين بالتقدم التكنلوجي فاتخذ وضعاً بوليسياً خلف إحدى الشجيرات وصّورك مع تلك الفتاة بزوايا مختلفة، ثم نشرها على إحدى البيجات المهتمة بنشر "الفضائح" في فيسبوك! في هذه الحالة ستكون حياتك وحياة تلك الفتاة، بلا شك، في خطر، فنحن وإن كنا مبهورين بالتقدم التكنلوجي، مازلنا مبهورين أيضاً بالعشائرية والنظام القبلي؛ إذا جلس الذكر مع الأنثى في حديقةٍ عامة فليس لهما إلا غسل العار.. نعم، هكذا هو الأمر، ولا تقدر آخر صيحات التكنلوجيا على زحزحته وتبديله.

الأمثلة أكثر من أن تُحصى بالطبع، لكنّ المشكلة تكمن في أنّ هؤلاء المصورين الجوّالين من محبي نشر الفضائح على السوشيال ميديا، بدأوا ينتشرون في الكوكب أكثر من ثاني أوكسيد الكاربون! في كل مكان تجدهم؛ في المطاعم، في المدارس، في المستشفيات، في الطرقات، في المرافق العامة.. إلخ.

في أوربا مثلاً، هنالك قانون يمنع تصوير الأشخاص دون أذنهم، لكنّ هؤلاء المهووسين لا قوانين تردعهم. بالأمس انتشر مقطع فيديو لأم تصرخ وتندب لأن الشرطة السويدية صادرت طفلتها بسبب سوء المعاملة. بالطبع، كان المنظر مؤلماً، فليس هنالك ما هو أكثر ألماً من مصادرة الأبناء وإجبارهم على العيش مع عوائل أخرى. الأسباب كثيرة بالطبع، والقوانين قاسية فيما يخص هذا الأمر تحديداً، وما يزيد الطين بلّة أنها تُطبّق كثيراً مع المهاجرين، سيما المسلمين منهم، لاعتقاد مسبّق لدى هذه السلطات بأنّ "المسلمين" تحديداً يسيئون معاملة أبنائهم وبناتهم، والشواهد كثيرة.

كان منظر الأم الراكضة خلف ابنتها يكسر القلب، لكنْ، ما الداعي لتصويرها في تلك الحالة ونشر المقطع على فيسبوك؟! ما الداعي لعرضها في صفحات ناطقة بالعربية؟ ما الداعي لإصرار الشخص المرافق للمصوّر وهو يلحّ على صاحبه: "صوّر صوّر، خلّي يشوفوا أولاد الحرام شو عملوا.." لمن يريد توجيه الفيديو؟ للعرب؟ ماذا بعد؟ هل يريد جناب المصوّر خلق رأي عام ضاغط؟ ما شأن الحكومة السويدية والقضاء السويدي ومصلحة حماية الطفل بالسوشيال ميديا العربي؟ ثم حتى لو انتشر الفيديو على صفحات الميديا السويدية، فهل يُعقل بأنّ قوانين الدولة تتأثر بالسوشيال الميديا؟ هل مازال هنالك من يعتقد بأن الأمور تجري بهذه الطريقة الساذجة؟ هذه قوانين وضعتها الدولة وصوت عليها البرلمان السويدي منذ أن خُلقت السويد، فهل يغيّرها مقطع فيديو على موقع فيسبوك؟!

لست مع قانون مصادرة الأطفال، بل مع فرض عقوبات صارمة على الآباء حين يسيئون معاملة أبنائهم، ولكن مقاطع الفيديو هذه لا تقدم ولا تأخر، بل ليس فيها غير الفضائح وشرّ الشؤون الشخصية على حبال المجتمع، بدليل أنّ الأب اضطر في اليوم التالي لنشر مقطع شخصي ينفي فيه أن زوجته سجينة لدى السلطات السويدية، فسجن النساء، حتى وإن أسأن معاملة الأبناء، عارٌ لدى أمة العرب. نعم، بعض المقاطع مفيد ومسلّ، لكنّ للشأن الشخصي حرمةً كحرمة الدم، فتأمّل هداك الله.

Top