الخطة باء

الخطة باء     2017/11/19 19:43 عدد القراءات: 626




 

في الحافلة كان يجلس قربي شيخ عجوز غريب الأطوار. هو أشقر بعينين زرقاوين وأنف طويل مشتول في وجه مربّع، لكنّه، كان ينطق العربية أفضل من الأسود بن يعفر النهشلي. سألته من أين تعلمها، فقال من عمله في البحار، فهو بحّار قديم، كان يعمل على متن باخرة عملاقة تجوب البحار والمحيطات منذ ستينيات القرن العشرين. يقول بأنّه زار الخليج ألف مرة، وجاب شوارع البصرة ألف مرة، تعرف إلى لغة أهلها وطباعهم وعاداتهم وتقاليدهم. يوم كانت البصرة بخير، كان ينام في فنادقها ويسير في شوارعها وأسواقها، يستمع للهجة أهلها، ويحفظ ما يدخل أذنيه ليعيده في الليل على رفاقه. تعلّم العربية من خلال سفره إلى البصرة والخليج، وصار يقرأ الأدب العربي ويستمع للمواويل والقصائد والبستات البصرية.

 

جاك جوناثن ألسون بحار متقاعد من أصول انگليزية، تزوج معلمة نرويجية وسكن في مدينة بيرغن النرويجية المطلة على البحر، منذ أربعين عاماً ونيّف. يقول بأنّ أسعد أيام حياته كانت تلك التي يقضيها في العراق مرتاداً الملاهي والبارات ومستمتعاً بالأغاني والمواويل في الحانات والمقاهي. حدّثني عن النخيل والبمبر وشط العرب، وكيف ملأ بيته بصور للسياب وشط العرب وفرق الخشابة البصرية. كان الرجل عاشقاً للبصرة والعراق، وكأنه ولد في واحدة من قراها. قال بأنّه قد بكي حين شاهد العراق يسقط بيد الأمريكان، وأنّه تنبأ بخسارة العراقيين لبلدهم. سألني في النهاية عن العراق وأحواله، بعد أن انقطع عن متابعة نشرات الأخبار العربية المملة. أجبته بأن العراق الجديد بخير وصحة وعافية، وأنّ نظرته ليست في محلها، فالعراق بلد متدين، لا يعرف الغناء والرقص والملاهي وشرب العرق كما يصف. في العراق ينام تسعة أنبياء وستة أئمة وألف صالح وصالح. في العراق يشمخ ألف مزار وألف تكية وألف ألف مسجد. في العراق ألف مدرسة دينيّة وألف مرجع وألف مليون معمّم. في العراق وقفان، واحد للشيعة وآخر للسنة، يعتاش على خيرهما آلاف الدعاة والخطباء وأئمة المساجد والموظفون الملتحون. في العراق هيئة للحج والعمرة أيضاً. فعن أي ملاهي وحانات تحدثني يا سيد جوناثن؟! ألهذا الحد أنت حاقد علينا؟!

 

لم يجبني بحرف واحد، لقد أخرسته بالحقيقة. لكنّ تنهّد، ثم فرك راحتَي يديه ببعضهما والتفت نحوي قائلاً: بالله عليك إذا كان العراق يملك كل هذا، فلماذا لا يقبل أن يغادر المرتبة الأولى عالميّاً في الفساد الإداري؟! ولماذا يعتلي ناصيته حفنة فاسدون؟! ولماذا يعيش ثلث شعبه تحت خط الفقر؟! ولماذا يقطن آلاف أطفاله في بيوت الصفيح؟ ولماذا الأمية مستشرية لحد مخيف؟! ولماذا المستشفيات حالها يصعب عليّ، أنا الكافر ابن الكافر؟! أجبني، لماذا؟! لم أجبه بحرف واحد، بصراحة؛ لقد سقط ما في يدي وأعدمت الجواب، ولم يكن لديّ لحظتئذٍ سوى الانتقال إلى الخطة باء في النقاش، فناديت على السائق: نازززل، ثم ودّعته ونزلت.

Top