مَية النيل ومزحة شيرين

مية النيل ومزحة شيرين     2017/11/16 16:11 عدد القراءات: 807




السخرية هي إحدى سمات الموضوعية، هذا ما قاله ذات مرّة الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد. ولعلّ سخريتنا، نحن العرب، أمست، في زمن الميديا والسوشيل ميديا، هي الموضوعية بحد ذاتها، سيما بعد أن اقتنعنا تماماً بأنّ الجَد قد فقد أهليته للزحزحة والتغيير.

منذ ولادة الجمهوريّات، وصعود نجم العسكر، بل منذ عصر التأسيس، والحال هو الحال، لا شيء قابل للتبدل والتغيّر؛ أوطانٌ متعبة وشعوب مضطهدة. لقد سُكب الكثير من الحبر، ودُبّجت ملايين المقالات، وهي تنتقد وضع البلاد، بموضوعية بحتة غير قابلة للتسفيه، راجيةً بأنّ تُصلح الحكومات من الحال، وتنتشل المواطن من الفقر والتعتير، لكنّها لم تجدِ نفعاً. إذاً، دعونا نسخر ونمزح ونتهكم، لعلّ السخرية تنفع المؤمنين.

قبل يومين ظهرت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب في إحدى حفلاتها، وقد طالبتها واحدة من الجمهور بصوتٍ عالٍ أنّ تغنّي أغنيتها الشهيرة "مشربتش من نيلها"، فما كان من شيرين إلا الرد عليها بسخريتها المعروفة: "هيجيبلك بلهارسيا" ثم أردفت بأنّ عليها أن تشرب مياهً معدنية فرنسية "اشربي من ميّة ايفيان أحسن". إلى هنا الأمر عادي، عادي جداً، فالمصريون معروفون بدمهم الخفيف وروحهم الساخرة وتهكمهم حتى على أنفسهم، لكنّ الغريب في الأمر أنّ مواقع السوشيل ميديا المصرية اشتعلت تطالب بمعاقبة شيرين على "الإساءة للوطن" وكأنّها قامت بالتخابر مع إسرائيل أو باعت أرضاً مصرية لجهة أجنبية! سيل من الشتائم والتشهير والتحريض على فنانة، يعرفون جيداً، بأنها كانت تمزح، وأنها لا تحب مصر، بل تعبدها. تهكم الشعب المصري على "مية النيل" معروف في السينما والدراما المصرية، ولعل ما قام به الفنان "أحمد حلمي" مثلاً، في فيلمه "عسل أسود" كان واضحاً جداً، حيث ظهر في أحد المشاهد وقد أصابه انتفاخ ومرض لأنه اكتشف بأنه كان يشرب من مياه النيل دون أن يعلم.

حلمي وشيرين وخمسة وثمانون مليون مصري يعشقون النيل، ومَن منا نحن العرب لا يعشق نهر النيل العظيم، لكنّ كمية النفايات التي تُرمى في النيل جعلته غير صالح للشرب، هذه الحقيقة يؤكدها المصريون أنفسهم، فما عدا ما بدا؟ وكيف تحولت شيرين إلى خائنة؟ لقد اعتذرت بعد الحفلة مباشرة، وقالت بأنها تمزح، والله تمزح، وبأنها آسفة لما بدر منها بعفوية، وأنها تعلمت حب مصر وعشق ترابها من البسطاء مثلها، وأنها غنّت لمصر ولشهدائها، وأنها وأنها وأنها، لكن دون جدوى. فماكنة التخوين لا تتوقف، ولا يُراد لها أن تتوقف، فأصدرت نقابة الموسيقيين، كأول الغيث، في القاهرة، اليوم، قراراً يقضي بإيقاف شيرين عن الغناء وتحويلها للتحقيق، وسيتم ملاحقتها قانونياً ومنعها من الحفلات داخل وخارج مصر، بل لا يُستبعد أن تقف أمام القضاء بتهمة "إهانة مصر" لأنها قالت عن نهر النيل "يجيبلك بلهارسيا"! أنا كعاشق لمصر أولاً، ولصوت شيرين ثانياً، أود أن أسأل هنا: هل يشرب أطفال المصريين من ماء النيل بلا فلاتر؟! وهل مياه النيل صافية لحد أن يكون وصفها بالتلوث يُعد خيانة؟! ثم هَب أنّ الأمر كذلك، فهل صار التهكم والتندر بِدعةً هذه الأيام؟ وعجبي!

Top