رسالة غرام

رسالة غرام     2017/11/08 17:24 عدد القراءات: 982




أجمل ما في الأمر أن تقرأ وتطبّق، سيما حين يكون الكتاب الذي بين يديك علمياً، رصيناً، غير قابل للتشكيك. قبل يومين وقع في يدي كتاب عن الصحة النفسية للأطفال، وهذا النوع من الكتب عادةً ما يكون مفيداً للآباء، ممن لا يجيد استخدام الراشدي والچلاق في التربية. المهم، حضّرت استكان الچاي، وشرعت بالقراءة. كان مما قرأت فيه أنّ على الأب أن يزامل ابنه المراهق ويتصرّف معه كرفيق في ساحة المدرسة. يابه ليش؟ لأن الطفل لا يخشى أن يفشي أسراره لرفيقه بينما لا يكون سرّانياً كتوماً مع أبويه. عجبتني النصيحة، وما كذّبت خبر، غلقت الكتاب وعقدت النيّة على مزاملة ابني، المدعو ميدو صاحب الثلاثة عشر عاماً إلا خمسة أشهر. رحت للكنتور طلّعت رسالة غرام عمرها ٣٠ سنة، كانت مرسلة لي من طيّبة الذكر، حنان الحلوة. وكانت قد رمتها لي ذات ظهيرة فوق السطح. تناولتها، يومذاك، وجلست أقرأ تحت شمس تموز الحارقة. كان مكتوباً بخط ضعيف: "حبيبي أزهر كلما سمعت العصافير وهي تزقزق فوق الشجرة، سمعت صوتك.. آآآآآآخ كم أحبك" ومع أنّ صوتي كان أقرب لصوت ذكر البط منه إلى زقزقة العصافير، إلا أنّي بكيت عندما قرأت كلمات الحب تلك. وضعت الرسالة على وجهي وقبّلتها ألفاً وستمائة وستين مرة. شممتها حتى انقطع نفسي. كانت معطّرة برائحة الجنّة رسالة حنّونة. ولكنْ، لأنّي ططوة منذ الولادة ولأنّ الحلو معي لا يكتمل على الدوام، صعدت أمّي في تلك الساعة لتسقي دجاجاتها ماءً، فوقعتُ في قبضتها وأنا أشمشم بحروف ابنة الجيران، حنان. أمسكت بي ساعتئذٍ من ياقتي ومسحت بكرامتي تراب السطح. لقد سمعت نشيجاً من بعيد. كانت حنان تبكي، وهي تشاهد حبيبها يُضرب كطبلٍ يوم عيد. حاولت أمي أن تنتزع مني الرسالة لكنّي رميتها خلف قنّ الدجاج، وبعدما انتهت حفلة الضرب ونزلت أمي إلى الدار، أخرجتها من خلف القن وأخفيتها في سروالي الداخلي.

ما زالت الرسالة معي، وهي كل ما تبقى من حب دام ست سنوات، عمر الدراسة الابتدائية آنذاك. اليوم احتجت لها وأخرجتها من الكنتور. جلست مع ابني ميدو كي أطلعه على أسراري بغية زرع بذور الثقة بيننا، ومن ثم المزاملة والمصادقة والمصارحة. لا بد أن أعرف ما يفكر به ويخطط له وينوي عليه ويقوم به من خلف ظهري. لا بد أن أعرف همومه ومشاكله وأحلامه وقضاياه المدرسية والبيتية والشارعية والملاعبية "على اعتباره لاعب كرة قدم". ناولته الرسالة، قرأها الملعون وأعادها لي ببرود. سألته: هاا أبو الشباب أشوفها ما عجبتك؟! فأجاب: بابا هاي رسالتيش؟ لا بيها ستيكر بوسة، لا قلب حب، لا اثنين يتراقصون، هذا حبيش لخاطر الله؟!

قسَماً، قهرني ميدو، وحسيت صدري وجعني، فطبّقت رسالتي الفقيرة، وخرجت من عنده مكسور القلب. جاء خلفي، قال: بابا لا تضوج، بعدك شباب، ومستعد أنطيك الآيباد مالتي تراسل بيه حبيبتك، بيه هواي ستيكرات غرام.

Top