عزلة كارولينا

عزلة كارولينا     2017/11/05 13:26 عدد القراءات: 1062




لا يمر أسبوع دون رسالة من كارولينا، الصديقة التي لا تنفك عن إثارة دهشتي. كانت لهلوبة فيما يخص عملها، فنانة ومصممة أزياء محترفة. كل موسم تخرج بموضة تشعل بها الأسواق، وتحفّز شركات الألبسة. كانت، فوق ذلك، ودودةً تحب الناس، وتوزّع الابتسامات مثل المطر في الطريق. لكنها قرّرت، بلا سابق إنذار، أن تغيب عن الأنظار. يابه وليش؟ قالت بأنها تفضل الابتعاد العزلة. وين؟ قالت بأنها اشترت كوخاً فوق جبل غولست العظيم، وستنتقل للعيش فيه بدءاً من الصيف آنذاك.

انتقلت كارولينا للعيش هناك، وفاتت الأيام، لكنّها لم تنقطع. بين الحين والآخر تبعث لي برسالة خطية. نعم، خطية، فكارولينا لا تملك هاتفاً نقالاً، ولا بريداً ألكترونياً، تصورّوا، ولا حتى جهاز كومبيوتر مثل الخلق والناس. كذلك لا ترتدي كارولينا بناطيل الجينز أيضاً، ولا الأحذية العالية ذات الكعب ١٦سم. كانت ترتدي التنورة الطويلة المكشكشة والقميص الضيّق المزرزر، زائداً عصابة صغيرة ملونة تربط بها خصلات شعرها، بينما تتسربل ضفيرة ذهبية إلى خصرها.

كارولينا امرأة تصرّ على ممارسة الحياة الخمسينيّة رغم أنها من مواليد ١٩٨٨م. تقول بأنّ دراستها للأزياء جعلتها تعشق نفانيف وتنورات وقمصان وأتگات وأندرويرات تلك الحقبة من القرن العشرين. مازالت تفصّل وتخيّط ثيابها بيدها، ومازالت تقرأ روايات ذلك الزمان، وتعلّق صور ذلك الزمان. كانت سعيدة باختياراتها مطمئنةً لها، لكن، ولأننا كائنات فضوليّة نحشر أنوفنا فيما لا يعنينا، صرنا نسأل كثيراً عن السبب، ليش كارولينا لابسة هذا اللبس القديم؟ ليش شادة راسها بعصابة؟ ليش ما عندها موبايل؟ أكو انسان ما عنده موبايل؟ تهي يا الله! ليش ما عندها ايميل مثل الناس؟ شلون تفتح حساب على فيسبوك وتويتر وانستغرام وتليغرام وسناب چات.. بدون ما يكون عندها ايميل؟ أكو انسان سويّ، عاقل، يفتهم، ما يملك فيسبوك؟ أكو واحد ما يغرّد على تويتر؟ أكو بنيّة حلوة ما تنزل صورها على انستغرام؟ طبعاً ماكو، وإذا أكو هيچ كائن، فهو أكيد مو عاقل، أو معقّد في أفضل الأحوال! هكذا طرقنا على رأسها بمطرق الفضول حتى كاد ينفجر، فقرّرت في النهاية الصعود إلى الجبل، والعيش وحيدة هناك، دون أن يزعجها الفضوليون والحشريّة والما عندهم شغل وعمل.

في رسالتها الأخيرة كتبت كارولينا بأنها مازالت صامدة، بل اعتادت على الحياة هناك رغم قساوة الظروف، لكنّها تشتاق كثيراً للحديث مع الأصدقاء. الحياة بلا أصدقاء تشبه الكتاب الخالي من الحبر، حياة فارغة. طلبت منها أن تعود، وسأضمن لها ألا يضايقها أحد. قالت: كيف؟ فقلت: بسيطة، تعالي عيشي معي، أوفر لك كل احتياجاتك، وأقفل عليچ بابا الشقة من أطلع، وانتِ ابقي اطبخي واغسلي مواعين واكوي ملابس.. شتگولين؟ فكتبت لي رسالة في اليوم التالي، قالت فيها: خلّيني بالكوخ، هواية أشرفلي، على الأقل أشم هوا نقي، وأشعر بالحريّة.. الحياة بلا أصدقاء كتاب فارغ، لكنها بلا حرية سجن مريع.. أشوفك بخير صديقي.

Top