كي لا نتحول إلى "ولاية بطيخ"

كي لا نتحول إلى ولاية بطيخ     2017/10/29 11:14 عدد القراءات: 1064




منذ سنتين تقريباً وأنا أحرص على متابعة "ولاية بطيخ"، البرنامج الكوميدي الشهير. ولا أخفي إعجابي الكبير بصانعه وصاحبه، الفنان علي فاضل، فهو من الشباب القلة الذين شقوا، باجتهاد وفردانيّة، طريقهم في عالم الكوميديا الصعب. ما يميّز علي فاضل ورفاقه هو عدم الإسفاف في السخرية، وتحويلها إلى منصة للنيل من كرامة الآخرين. إذ لم نشاهدهم، ذات يوم مثلاً، يسيئون لأحد من زملائهم في المهنة، ولا لمهنة بعينها، ولا لذي عاهة، ولا لفئة مجتمعية دون غيرها. لقد امتاز البرنامج بالطرح المعتدل والنقد السياسي والاجتماعي اللاذعين، وهذا ما يُحسب له. لكنْ، وليت الله لم يخلق لكن، هنالك تسويق مفرط لبعض الصور، كان بالإمكان تلافيه وتشذيب البرنامج منه.

خذ مثلاً؛ صورة الزوجة، كل المشاهد التي تتناول الحياة الزوجية في "ولاية بطيخ" تمنح الزوجة صورة سيئة، إي والله، فهي إما أن تكون كائناً مزعجاً، لحوحاً يسيء استخدام الهاتف، أو ربة بيت غبية تنطلي عليها فهلوة الأزواج وخططهم، أو فتاةً لعوب، تتنقل من هاتف حبيب إلى آخر.. أكو غيرها؟! خذ أيضاً صورة المرأة العراقية التي تعيش في الخارج، فهي، مرّة، تظهر على أنها دلّوعة، ومرّة، على أنها قشمر، ومرّة "دايحة"! ولا صورة رابعة في البين! أما لو جمعت، عزيزي القارئ، هذه مع تلك فيصيبك الشك حتماً بأنّ كاتب المشاهد لا يكنّ الاحترام للمرأة، ولا يقيم لها وزناً! اللهم إلا إذا كانت المرأة في عينه جسداً "يزحف" إليه ويمرغل نفسه بالتراب من أجله، فذلك شأن آخر.

ربما، سيحتج أحدكم بأنها تصرفات جاءت على لسان كاركتر سيء، وأنّ أصحاب البرنامج يريدون تسليط الضوء على هذا النموذج المجتمعي الوضيع، الذي يتوفر منه الكثير في الشارع، ولله الحمد. لا بأس، يمكن سماع هذا التبرير، ولكنّه لا يمكن أن يكون مقبولاً مع كل هذا التكثيف والتنميط وقلب الحالات المتناثرة إلى ظواهر راسخة. ثم أين هو المعادل السيميائي في باقي المشاهد؟ لماذا لم نرَ، ولو لمرة واحدة، مشهداً يسلط الضوء على سيّدة عراقيّة ناجحة، أو مغتربة متفوقة، أو زوجة فطنة لا تنطلي عليها "كلاوات" زوجها؟!

في العراق، بشقّيه "داخل/خارج" صور إيجابية كثيرة، يمكن لبرنامجٍ خفيف الدم أن يسلط الضوء عليها كما يسلّط الضوء على الصور النيگاتيف كل مرّة، سيما في ما يخص النساء. ولا أظن بأنني بحاجة، هنا، للتذكير بأنّ المرأة نصف المجتمع، وأنّ بعض الإنصاف يجعلها تعمل بطاقة، يقطف ثمارها المجتمع بأكمله. أرى أنّ فريق ولاية بطيخ بحاجة للتنبيه من قبل رفاقهم وأصدقائهم بأنّ بعض ما يسوّقونه مجحف بحق المرأة بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام، وأنّ مهمة البرامج "الهادفة" هي التأشير على الخطأ لا تكثيفه وتحويله إلى صور نمطيّة، وأننا كي لا نتحول إلى "ولاية بطيخ" فعلاً، علينا التحرّي والدقّة في نقل الصور، وعدم الانجرار خلف ما يريده الشارع والمتابعون.

Top