إذا تحبّك تجيك

إذا تحبك تجيك     2017/10/25 14:24 عدد القراءات: 1053




ذات يوم من أيام تشرين الأول ١٩٨٣م قرّرت أنّ أبيع سرّي. كنت أعيش قصة حب، هي الأولى في حياتي. وكانت القصة قد بدأت منذ اللحظات الأُوَل التي جلبتْ فيهن الستّ ليلى، معلّمة اللغة العربية للصف اللخامس الابتدائي، ابنتها فاطمة معها إلى الصف. كانت فتاة، وا حرّ قلباه، فائقة الجمال والرقّة، حنطيّة بعينين عسليتين، وشعرٍ تمريّ، وغمّازتين ساحرتين، وكانت تملك ضفيرة طويلة تقترب من الخصر بخمسة وعشرين ملليمتراً فحسب. كانت لا تتكلّم، بل تغرّد مثل بلبل بستانٍ أصيل. لقد أحببتها منذ أول التغريدة "أنا اسمي فاطمة"، وعشت الدور كاملاً. لكنّي، لبلاهتي، لم أكن أعرف الطرق السالكة لقلوب الجميلات، ولم تكن لديّ الخبرة الكافية في فك شفرات قلوبهن، فاضطررت، للأسف، أن أبيع سرّي من أجل مشورة.

لم يكن لديّ، وقتذاك، غير صديقي اللدود، محمد دگمة. كان زير نساء بالفطرة، وكاتب شعر من الطراز البديع. كان بيت الدارمي لا يأخذ منه أكثر من ٢٣ ثانية ونصف الثانية.

"حمّودي أنا أحب." قلت له، فاحتضنني وبارك لي قائلاً بأنّي، الآن فحسب، قد وضعت قدمي في نزهة الحياة.  طلبت منه مشورةً وأبيات دارمي وخططاً لاستمالة قلب فطومة بنت المعلمة. لكنّه، قال بضرس اليقين بأنّي لن أحتاج لكل هذا، فقد وصل إلى قناعة أكيدة بأنّها: " إذا تحبّك تجيك". "يعني شنو حمّودي؟" سألته فقال: "يعني اشتريلها علكة بوبي العظيمة ذات اللون الوردي، ودسّها في حقيبتها مع قصاصة صغيرة مكتوب عليها عبارة: ورا السياج بالفرصة، وإذا كانت تحبّك راح تجيك على الموعد، اطمئن."

ولثقتي بخبرة دگمة، وافقته الرأي وأعطيته مصروفي كاملاً لأنه اشترط أن يتكفّل هو بالأمور اللوجيستيّة من شراء العلكة ودسّها في الحقيبة، وكتابة القصاصة، ومراقبة الطريق خوفاً من قدوم الستّ ليلى. أتذكر بأنّه قال لي بالنصّ: "أبو الزوز، بصراحة، إنت فاهي وماتدبّرها، انطيني فلوسك والباقي عليّ.. وإذا تحبّك تجيك."

في الفرصة بين الحصّة الرابعة والخامسة كنت مزروعاً خلف سياج المدرسة بانتظار أول موعد غرامي بحياتي. كان قلبي يخفق بسرعته القصوى، وساقاي ترجفان. ولكنْ.. بدلاً منها جاء فاضل خيسة، شقيّ الصفّ، كان بيده نصف سيجارة، يدخّنها خلسةً خلف السياج. سألني: "ها أبو الزوز شعندك هنا؟" لم أجبه بالحقيقة حفاظاً على سريّة الموعد، وخوفاً من أن يُدبَغ جلدي على يد الستّ ليلى لو وصلها الخبر. وبعد الإلحاح الشديد قلت له بأني انتظر محمد دگمة. فردّ فاضل وهو يفرّ بيده مستهزئاً: "هـَـ هـَـ يا ربّي، منتظر محمد دگمة! ولك دگمة بالحانوت عازم فطّومة على لفّة فلافل وبطل بيبسي، بعد ما يجيك لو توذّن." لطمتُ جبهتي حينئذ، وقلت في سرّي: "فوگ المصروف طارت فطّومة!" لكنّي رغم ذلك المقلب، وما خلّفه من أثر في وجداني، تعلّمت الدرس جيّداً وأمسيتُ كلما سمعت عبارة "اذا تحبّك تجيك" ضحكت في سرّي وقلت: لا والله، الحب يريد هِمّة.

Top