حسناً نحن الأفضل، ولكنْ.. إلى أين؟

حسنا نحن الأفضل ولكن إلى أين     2017/09/23 19:38 عدد القراءات: 1251




ازهر جرجيس

 

ها هو العراق إذاً يشارف على التقسيم، وها هو المشرط اللعين يستعد لبتر رأسه الغالي، كردستان الحبيبة، بينما "الآخرون" صامتون صمت القبور، لم نرَ منهم خطوة جادة أو وساطة كتلك التي نراها عند الأزمات الدولية من أجل المساهمة في منع ذلك، والحفاظ على وحدة العراق. البعض صامت، والبعض ينتظر لكي يبارك التقسيم، والبعض يهمس: حيل بيهم. هؤلاء ليسوا شياطين، لكنهم ليسوا أنبياء كذلك، فالسياسة فن المصالح، ونحن شعب لا يعرف مصلحته، شعب مغرور، سريع الاستعداء للآخرين، مستسهل للكراهية.

إنّهم يكرهوننا لأننا الأفضل. مذ وعيت على الدنيا وأنا أستمع إلى هذه الأسطوانة المشروخة. كانت واحدة من أدبيات النظام السابق التي مُلئت بها أذهاننا حتى صارت مثل وشم دائم في المُخيّل الشعبي. لقد زرعوا فينا منذ الطفولة بأننا شعب عظيم، صاحب حضارة وتاريخ يمتد لسبعة آلاف عام، وأنّ الآخرين يغارون منّا ويحيكون لنا المؤامرات. كانت ماكنة الإعلام والتعليم تثقفان ليل نهار في هذا الاتجاه وتعللان ذلك بالغيرة الصفراء التي يتمتع بها الآخرون، حتى بتنا نعلّق كل نكساتنا وخيباتنا على هذه الشمّاعة الوهميّة.

لقد كانت المدارس تعبّئ على أنّ أمريكا وبريطانيا وأوربا وليبيا ومصر وسوريا والأردن وإيران والخليج وحتى الهند الفقيرة محاور شر بالنسبة للعراق، وكانت نزاعات صدام ومشاكله الكثيرة تسوَّق على أنها مؤامرات تحاك ضده وضد شعبه فنطبّل لها بطريقة الببغاء المملة. كانت السياسة الخارجية التي تبنّاها النظام آنذاك هي استعداء الآخر وسحبه إلى حلبة الكراهية والكراهية المتبادلة. نعم، كنا نكره الجميع، ويكرهنا الجميع، وربما لا زلنا كذلك ولا زالوا، فالسياسة الخارجية ذاتها لم تتبدل، وحفنة الخراء التي تنام في عقل السياسي العراقي آنذاك لم تبارح مكانها ممن جاء بعده.

محاور شر تريد بنا السوء، هذا ما يرددونه منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى الساعة. لم يطالبهم أحد بتفسير منطقي للأسباب التي تقف وراء ذلك! ولم يقل لهم أحد بأنّ الدبلوماسية قد جرى تحديثها وصارت تحوّل العدو بنقرة زر إلى صديق! ثم هب أنّ الجميع يريد بنا السوء، فهل نحن ضعاف لهذا الحد كي تكون المهمة سهلة عليهم؟! أم أنّ توحيد المواقف وتغليب المصلحة العامة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب خطوات كفيلة برسم هيبة الدولة وجعل الآخرين يحسبون ألف حساب قبل أن يفكروا مجرد تفكير باللعب معها؟!

حسناً، نحن الأفضل وليذهب الآخرون إلى الجحيم، ولكنْ.. إلى أين يأخذنا غرورنا هذا؟ إلى الحرب؟ ذهبنا هناك، مرة ومرتين وثلاث، فقدنا فيها مئات الآلاف من الأحبة وجنينا ضعف العدد من الأيتام. إلى الجوع؟ جعنا كثيراً وحوصرنا حتى أكلنا علف الحيوانات. إلى الخراب؟ أي خراب أكثر مما نحن فيه وأرضنا الغالية، بعد كل هذا الدم، تستعد لعملية بترٍ ظالمة؟ إلى أين يأخذنا غرورنا أبعد من ذلك؟ إلى أين؟

Top