حين تكون الحياة مالحة

حين تكون الحياة مالحة     2017/09/22 20:35 عدد القراءات: 1187




لا أدري كيف حدث هذا! كنت في حالة بين اليقظة والنوم، وسمعت صوت شاحنة كبيرة قرب النافذة. كانت سيارة النفايات قد جاءت في غير موعدها، فاليوم، بحسب الروزنامة، هو الأربعاء وليس الجمعة، ما الذي جاء بهم إذن؟! رميت الغطاء وخرجت حافياً. كنت أنوي السؤال عن السبب، لكنّ الأوان قد فات، والشاحنة ذهبت.

عدت إلى البيت، رفعت سماعة الهاتف وضربت رقم دائرة البلدية، سألتهم عن سر تفريغ الحاويات قبل موعدها، فقالوا بأنّ الجمعة سيحتفي عمّال النظافة فيها بمناسبة فوز المدينة كأنظف مدينة في المقاطعة، لذلك قدموا موعد تفريغ النفايات إلى الأربعاء.. خير انشالله، أغلقت الهاتف، وعدت إلى الفراش في محاولة يائسة للإمساك بأذيال النوم. لا نومَ في هذه المدينة النظيفة ولا راحة. الحياة هنا رتيبة، مملة، ماسخة ينقصها الكثير من الملح. رميت الغطاء من جديد وذهبت إلى المطبخ، ملأت القوري بالماء ووضعته على الطباخ، أشعلت النار تحته وانتظرته حتى بدأ بالغليان. وضعت فيه حبّة هال وملعقتي شاي وأبعدته عن النار كي يهدر. أخرجت من الثلاجة صحن كليجة قديمة كانت قد وصلتني هدية من أحد الأصدقاء بمناسبة اليوم الوطني العراقي. هو لا يدري متى يكون اليوم الوطني للعراق ولا يستمع لأخبار العراق، بل ليس في بيته ستلايت، لكنه اختار يوماً لا على التعيين، وجاء بصحن الكليجة ليقول ممازحاً: تفضل، هاي حصتك بمناسبة اليوم الوطني العراقي.

المهم، وضعتُ أمامي الكليجة والچاي وبدأت بالمزمزة أمام التلفزيون. كانت القنوات العراقية كلها تبث إعادة للبرامج الحوارية السياسية التي بُثت ليلة البارحة، وكانت كلها برامج متشابهة، بدءاً من المقدم إلى طريقة التقديم إلى الضيوف إلى موضوع الحوار. الحوار بين الضيوف لا بد أن يتحول في النهاية إلى طلايب ومشادات كلامية، وإن لم يحدث ذلك رشّه المقدّم بقليل من البنزين ليشتعل ويتحقق المطلوب، فالحوارات الباردة لا تجلب المشاهدات الكثيرة.

كان موضوع الحوار في جميع القنوات هو استفتاء كردستان، وكان الكلام ذاته، والنقاش ذاته، والطلايب ذاتها. لا شيء جديد في الأمر؛ ضيف كردي يعيّر ضيفاً عربياً بمزابل بغداد، والأخير يعيّر الأول بسرقات النفط في كركوك.. وهكذا. برامج تحرق الأعصاب وترفع الضغط ولا تجلب الخير للبلاد. ولكنْ.. في الأثناء، وإذ كنت أستمع لأحد الضيوف وهو ينفجر بوجه زميله شعرت بأنّ الكليجة مالحة، إي والله، مالحة زقّوم، مع أنها لم تكن كذلك! شنو الفيلم؟! تناولت الموبايل من الطاولة حينئذٍ واتصلت بصاحبي: يابه أشو الكليجة مالتكم مالحة، شنو الموضوع؟! فاحتار المسكين في الجواب بعد أن أقسم أيماناً مغلظةً بأنه كان قد أكل منها ستين قطعة ولم تكن مالحة، لكنه في النهاية تذكّر وسألني: بالمناسبة، هل تناولتها وأنت تشاهد القنوات العراقية؟ فقلت نعم، فقال: هذه ملوحة الحياة التي تبحث عنها يا صاحبي وليست ملوحة الكليجة، ابقَ تابع عراقي، حيل بيك.. وأغلق الهاتف.

Top