نام لا يجيك البعبع

نام لا يجيك البعبع     2017/09/09 12:37 عدد القراءات: 1180




أزهر جرجيس 

هذا هو الشعار الذي كانت تهددنا به الأمهات حين لا يطاوعنا النوم صغاراً، وهذه هي الطريقة الأخيرة التي تجعلنا ننام حين تعجز الهدهدات عن فعل ذلك؛ نام لا يجيك البعبع. والبعبع، بضم الباءين، هو الاسم الشعبي المرادف، لدى الأمهات، للغول. كائن خرافي مخيف، وظيفته افتراس الأطفال السهارى ومصمصة عظامهم كوجبة ليلية خفيفة. كنا نخاف حين نسمع به ونغلق أجفاننا بشدة ولا نفتحها حتى يتمكن النوم منا. وفي الصباح حين تكتشف الأمهات بأننا بلّلنا الفراش أثناء النوم، نأكل المقسوم من الصراخ والإهانة وربما تلطيف الخدين بصفعتين على الماشي. هذا ما كان يحدث للكثير منا، وكنا نظن بأنها مرحلة وتعدي، وأن الحياة فيها ما هو أقل وحشية من بعبع الأمهات هذا، وأن أسلوب التخويف من البعابيع، إن صح الجمع، لن يتعدى عتبة الدار، وأننا نعيش في كنف مجتمع رحيم ودولة كريمة يُحترم فيها الفرد، ولا يُخترق سلامه الداخلي بمثل هذه الترهات، ولكن خاب ظننا، فقد وجدنا بأن المعلم يستخدم طريقة البعبع في تحفيظ جدول الضرب في المدرسة؛ احفظ لا أصيحلك المدير يزلغ جلدك! وبائع الخضرة كذلك يبعبع لزبائنه، والشرطي أيضاً، وموظف البنك، ورجل الدين، وشيخ العشيرة، وكل من عليها، ولكل واحد من هؤلاء بعبع يهدد به.

ولعل النظام السابق كان من أشد المعجبين بطريقة الأمها البعبعية لتخويف الشعب. فقد كان الرفاق ببدلاتهم الزيتونية الكريهة آنذاك ينتشرون بين الناس مثل الفايروس ليبثوا في قلوبهم الرعب من بعبع اسمه الخميني، دراكولا يأكل البشر ويشرب دماء الشعوب حين يتمكن منهم. كانت هذه واحدة من طرق التعبئة للمعركة؛ إجاك الخميني، وكان الناس يصدقون ذلك وينصاعون لأوامر الحزب وتوجيهات الرفاق. ثم تحول الأمر للتخويف من الكورد وتصويرهم بهيئة البعبع العملاق الذي يتغذى على لحوم الجنود العراقيين كلما أمسكوا بواحد منهم. ثم جاء دور البعبع التركي، ومن بعده البعبع العربي، حين تهشمت علاقات العراق مع العرب باجتياح للكويت.. وهكذا، كانوا كل يوم يختلقون لنا بعبعاً جديداً يمررون من خلاله ما يريدون.

سقط النظام بعد طول تحكم، وجاءت الديمقراطية فاستبشرنا بسياسة ظننا بأنها ستكون خالية من البعابيع، ولكن أحزاب الديمقراطية هذه سارت على خطى حزب البعث في سياسة البعبع ذاتها، فكان شعارهم: انتخبونا لا يجيكم صدام، وبهذا الشعار تمكنوا من الاستمرار في السلطة لأربعة عشر عاماً، والرقم قابل للزيادة! أما الأحزاب الكردية التي اكتوت من نار البعبع كثيراً، فلم تسر بمعزل عن أخيّاتها، بل كانت الأوضح في سياسة البعبع التخويفية منذ اليوم الأول لسقوط النظام وحتى الساعة! فبالأمس، كشاهد قريب، انتشرت صورة في شوارع كردستان مع بدء الدعاية لاستفتاء الانفصال غير الشرعي. كانت لافتة ضوئية كبيرة، تحمل صورتين على اليمين لاثنين من زعماء الكرد تظللهما خارطة كردستان؛ جلال طالباني ومسعود بارزاني، وصورتين على الشمال لاثنين من زعماء حزب الدعوة تحديداً تظللهما خارطة العراق؛ نوري المالكي وحيدر العبادي، وفي المنتصف خط ينتهي بكلمة "يان" وهي أداة تخيير كردية. كانت اللافتة تقول للكورد: إما أن تختاروا الانفصال أو يأتيكم حزب الدعوة الذي لا يحبكم ولا يريد لكم الخير. وبعبارة أخرى: انفصلوا لا يجيكم البعبع.

Top