وردة برجيس

ازهر جرجيس     2017/12/12 17:52 عدد القراءات: 20500




كانت زيارتي الأولى لبيروت. لا أصدقاء لي هناك ولا معارف. كل ما أعرفه هو أنني مدعو لحضور معرض بيروت للكتاب، وأنّ عليّ البقاء هناك سبعة أيام بلياليها. في معارض الكتب يمكنك أن تلتقي بالقراء وجهاً لوجه، توقع لهم كتابك، وتتبادل معهم صور السيلفي.. ليس أكثر من ذلك. حملت حقيبتي وطرت نحو مدينة الشمس؛ بيروت. لم أكن مستعداً لحفل التوقيع، ولا للوقوف أمام كاميرات السيلفي، فالاكتئاب كان قد وصل مستويات لا يمكن معها التبسّم بوجه الكاميرا. وصلت ليلاً. سائق التاكسي كان رائقاً يستمع من خلال جهاز المسجل لفيروز العظيمة. "فيروز في الصباح يا صديقي." قلت، فردّ بأريحية: "فيروزنا في الصباح والمساء"

 

لم يكن الفندق جيداً فأبدلته بآخر بعد أن دفعت الفارق من حرّ مالي. وفي الصباح أبدلت ثيابي واتجهت نحو مقهى كوستا. كان هناك علي وجيه وصديقان آخران، لم ألتق بهما من قبل، أعرفهما من خلال فيسبوك فقط. كانا غيثاً وأحمدَ. سلّمت عليهما وجلست بانتظار فنجان قهوة يعدل المزاج، لكن الأخير كان قد اعتدل قبل أن يحضر فنجان القهوة، إي والله، فهذان الشابّان بمجرد أن نطقا انقشعت الكآبة. كنت أعدّ نفسيَ كاتباً ساخراً، لكنّ غيثَ وأحمد وأميمة التي التحقت بهما كانوا فريق سخرية لا مثيل لها. كلامهم ضحك وهمسهم ضحك، حتى صمتهم كان فيه من الضحك الكثير. كانوا يتحدثون معي وكأننا نعرف بعضنا منذ عشرين عاماً، وكانوا يرمون بالكلام دون فلاتر، فيبدو أريحياً صادقاً. بعد نصف ساعة لا أكثر أدركت بأنّ بيروت مدينة المحبة والسخرية، وأنني على موعد مع أجمل من خلقتهم بغداد. في الأثناء، ولحسن الحظ، حضر الإعلامي اللبناني المميّز حسين جرادي، فأمسى صديقاً دون الحاجة إلى مقدمات. يبدو أن الصداقة كيمياء أيضاً، مثل الحب.

 

تفرّق الرهط بعد ساعات، فصار القرار الذهاب نحو معرض الكتاب في منطقة البيال. في التاكسي نحو المعرض، والذي لم يزل محشوراً في "عجأة" شارع الحمرا، قال علي بأنّ نادلة تشبه الوردة تعمل في الكافتريا التي أمامنا "كافتريا برجيس" وأنها تسلم الألباب لفرط حسنها، واقترح: "اذا موجودة، شنو رأيك ننزل؟ وبعدين نروح للمعرض؟" فقلت بالمباشر: "طبعاً موافق"، فقال للسائق بعد لحظات: "عندك عندك.." كانت موجودة. نزلنا، فجاءت لتلبية الطلبات. طلبت أرگيلة وقهوة، بينما طلب علي تغيير الأغنية إلى "سهرة حب" فاستجابت مبتسمةً، وصارت فيروز تعاتب وديع على تركه لحبيبته وردة. لا أدري إن كان علي قد استمع للأغنية أو فهم شيئاً من فنجان القهوة الذي كرره مرتين، فقد كانت عيناه وأذناه شاخصتين باتجاه وردة برجيس الجميلة. وبعد ساعتين من النظر بوجه وردة قال: "هسه ممكن نروح للمعرض".

 

بعد يومين عاد علي وصاحباه إلى بغداد فبقيت وحيداً، لكنني في كل مساء كنت أذهب إلى كافتريا برجيس لتدخين الأرجيلة والاستماع إلى قصة وردة بصوت وديع وفيروز. سألت النادلة الحسناء في المساء الأخير وكانت تضع على صدرها باج فيه اسمها: "داليا، هل هذا اسمك الحقيقي؟" فقالت وهي تغمز عينها: "لا، أنا اسمي وردة." لعن الله بنات بيروت.

Top