چيس الچياسة

چيس الچياسة     2017/11/17 19:12 عدد القراءات: 1339




جاءت (عاصفة الصحراء) ردّاً حازماً على (أم المعارك)، وأخرجت قوّات التحالف الدولي الجيش القادم لضمّ دولة (الكويت) للعراق، وبالقوّة. وبينما لاذ الآلاف من أفراد (خامس أقوى جيش بالعالم) مستسلمين، بالقوّات التي جاءت لتقتلهم، لم ينل نصيبه من الحياة إلا بعض الأفراد منهم من الذين نجوا من قصف الطائرات للجيش المنسحب عن طريق (سفوان)، في أكبر عمليّة إبادة عسكرية نفّذها طيران ضدّ جيش استسلم قادته فانسحب.

ولربما نُسيَ هذا الأمر كما نُسيَت سواه من نوازل حلّت بالعراقيّين منذ حرب الثماني سنوات المريرة، فإثر كلّ (نازلة) يلعق العراقيّ جرحه، ويعضّ على ناجذه، ثمّ يمضي ليُصلح شأن حاضره.

لكنّ شأن بعض الأمور التي تترافق والحروب، ليست كشأن الجراح القادرة على وحسب، ولا كشأن ذاكرة (ماركيز) القلبيّة التي تُبقي على الذكريات الجيّدة فقط وتمحو الحزينة، بل هنالك ما يجب أن يلتفت له علماء علم (الأناسة) جيداً في موضوعة (تحوّل الظاهرة إلى عادة اجتماعيّة) التي لم تستطع كل سنوات ما بعد (سفوان) على أن تُنهيها كشأن الذكريات.. وأعني تأثيرات سنوات (الحصار) الاثنتا عشر، التي من المفترض أن تكون قد نُسيت بعد مرور عقد ونصف من السنوات.

عندما أغلقت الأجواء وتمّت مراقبة الحدود، وهذا جزء من العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي، كانت الطرق التي يلجأ إليها علماء (التصنيع العسكري) من الحيلة بالقوّة التي تجعل القائمة التي تحمل ما يُمنع دخوله للعراق تطول في مفرداتها يوماً إثر يوم، فمن أزمة (حليب الأطفال) إلى أزمة (أقلام الرصاص) كان العراقيّون يذوقون الويل بعد أن مُنع كلّ شيء تقريباً من دخول البلاد إلا بعد حصوله على الإذن من المراقبين الدوليين الذين خوّلهم مجلس الأمن الدولي حقّ الوصول لأيّ مكان في العراق لتفتيشه من الأسلحة التي كان صدّام يلّوح باستخدامها، حتى وصل الأمر إلى أن دخت هذه اللجان مخدع الرئيس نفسه، باحثين بين طيّات شراشفه عن إثر لسلاح فتّاك مزعوم.

كان كلّ شيء آنذاك شحيحاً وغالي الثمن، وكان راتب الموظّف الرسميّ، رسميّاً، هو بضعة دولارات، لا تكفي لشراء (طبقة بيض) واحدة. بينما كانت مفردات الحصّة التموينيّة من الرداءة حدّاً اعتاد العراقيّون على إثره على تقبّل الأعلاف الحيوانيّة على أنّها أطعمة لائقة للبشر. وصارت تظهر مع الوقت الإبداعات التي كانت تمثّل دفاعات العقل ضدّ العوز، فحلّ الجزر في (كباب عروك) محلّ لحم الغنم، وأتى التمر بديلاً للسكّر في صناعة الحلويّات (من منكم يتذكّر نستلة التمر؟)، وعرفنا خبز نشارة الخشب فاستسغناه على مضض، وصارت الإنارة تعتمد على النفط، صديقنا الأزليّ، والتدفئة على الخشب، وجيء لنا بعد انهيار منظومة الكهرباء بـ(العواكس والإنفيرترات) ومصابيح النيون واطئة القدرة، والطبلات الإلكترونيّة المحوّرة، وبدائل لكل شيء تستحقّ أن تُجمع لتوضع في متحف (الحصار) الذي قد يفكّر أحد الساسة في السعي لجمع مكوّناته من أدوات ومستلزمات عقد التسعينيّات من القرن الماضي الذي لم يعيشوه.

ولربما، إن كنّا سنعتقد أنّنا من الأوفياء، علينا أن لا ننسى بطّاريّات السيّارات المحوّرة وإطاراتها المخاطة وأدواتها الاحتياطيّة التي دُوّرت لأعداد فلكيّة من المرّات، عنك هيترات الكهرباء المصنوعة من الطابوق المحفور، وأواني (الفافون) المعاد صهرها لآلاف المرّات، وأسلاك الكهرباء المعاد تصنيعها من نحاس الخردة، وما إلى ذلك من القائمة التي ليس آخرها أكياس التبضّع اليومي المصنوعة من البلاستك المعاد، والتي جعلت الثقة تنعدم تماماً بين المتبضّع و(يدّة) الكيس، فيلجأ إلى حمل بضاعته الملفوفة بهذه الأكياس بطرق أكثر حذراً. وبالرغم من الرداءة التي اتّصفت بها هذه الأكياس مبهمة اللون، ذات الشوائب العديدة، إلا إنّ هذا لم يعنِ أن (العلاّگة) سينتهي دورها بمجرّد تفريغ محتوياتها في الثلاّجة، فهنالك عمليّة (غسل وشرّ وتجفيف) لاحقة، تؤمّن استخداماً مستقبليّاً لها، فهي بضاعة مدفوع ثمنها سلفاً.

ولو اقتصرتُ بالحديث عن أحوال علاّكة الحصار ولا أتطرّق لغيرها، لاستطعت أن أسطّر الكثير من مناقبها ومثالبها كأيّة أداة فاعلة في أيّام الحصار تلك، بحكم اشتغالي ببيع الحبيبات البلاستيكيّة المعادة من غسل وثرم وتحبيب (الرول الزراعي) المستخدم في البيوت الواقية المصطلح عليها بـ(البيوت الزجاجيّة)، ولهذا النوع من الحُبيبات قومسياريّوه وتجّاره ومروّجوه وشراته، وهو على أيّة حال كان واحداً من حلول مقاومة الحصار بإعادة تدوير كلّ شيء.

لكنّ ظاهرة (الكيس) الذي تأبى النفوس أن تتخلّى عنه بعد أوّل استعمال، لم تنته كظاهرة أفرزها الحصار وستنتهي بانتهائه، بل يبدو أنّ الأمر تعدّى مرحلة الظاهرة، وتحوّل إلى عادة اجتماعيّة في الاحتفاظ بكلّ الأكياس المستعملة داخل كيس كبير نوعاً ما صار يطلق عليه مصطلح (چيس الچياسة)، إذ أنتجت هذه الظاهرة-العادة مصطلحاتها الخاصّة على شتّى الأصعدة، ومنحت للأشياء حديثة الوضع، ما تستحقّ من الأسماء، وإنّني أثبت هنا حقيقة أعترف بها، هي أنّني لا زلت أحتفظ، ولحدّ هذه اللحظة، بالكثير من أكياس الأكياس تلك، التي لا أجرؤ على رميها في (كيس) النفايات، ولا أدري ما أنا فاعل بها.

ورغم بحبوحة العيش النسبية (قياساً بأيّام الحصار) وانتهاء أمر نستلة التمر والعلاكة المعادة، إن (چيس الچياسة) لا يزال اليوم موجوداً في كلّ بيت وفي كلّ مطبخ، في دلالة على أن الحصار ترسّب في أقصى اللاوعي الجمعي العراقي، وصار صعباً على الفرد أن يفكّر بغير طريقة (القرش الأبيض) الذي سينفع، ربما في اليوم الأسود.

Top