الزلزال الذي سخر منه العراقيّون

الزلزال الذي سخر منه العراقي     2017/11/13 18:50 عدد القراءات: 1929




لم يحدث أن يتندّر شعبٌ على مآسيه وكوارثه بمثل ما نفعل. فمنذ حقبة القمع والقهر والحروب التي رافقتها النكات والطرائف المتعلّقة بها، والعراقيّون لا يتوقّفون عن إطلاق الطرائف كلّما حلّت بهم نازلة، وآخرها الليلة الفائتة، ليلة الهزّة الأرضيّة الأكبر التي حدثت في تأريخ هذا البلد (الأمين)، والتي أرعبت آخرين من جيراننا.

في طريفة لا زالت عالقة بالأذهان، تتعلّق بالعقوبة اللامعقولة التي فُرضت على من يتخلّف عن اللحاق بماكنة الحرب التي أشعلها أكبر مشعل حروب في المنطقة ضدّ جيرانه وشعبه، أعني عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص على الهاربين من الخدمة الإلزاميّة (الفراريّة كما كان يُطلق عليهم) والذين كانت السلطات تستوفي من ذويهم أثمان الرصاصات التي أعدموا بها (وهذه حقيقيّ). تقول الطرفة التي تضرب عصفورين بحجر كما سنرى، أنّ مصلاويّاً (إشارة إلى صفة البخل التي ألصقها النظام بأهل الموصل الكرام) جيء إليه بجسد ابنه المنفّذ فيه حكم الإعدام بسبب هروبه من الحرب، وقد نخب الرصاص جسده، مع قائمة بتكاليف الرصاصات التي أطلقت عليه، يتوّجب عليه دفعها في الحال، فما كان إلاّ أن قال لهم بأسف:

  • إي كان شنقتونوا يا إخوان!

ومثل هذه الكوميديا السوداء كانت صفة غالبة على كل النكات التي كانت تشيع آنذاك، وعلى حقبة الحصار التي أعقبتها، التي لم يستثن الجوع المرافق لها رمقاً لم يُنشب فيه أضفاره.

ما رافق حقبة التغيير من طرائف تتعلّق بالإرهاب والطائفيّة لم يُغيّر نسق كوميديّته، ولم يحد عنها كثيراً، فكانت هنالك موجة منها لم تستثن ديناً أو عرقاً ولا طائفة من كل مكوّنات (الطيف) الذي فقد ألوانه، فباتت فسيفساؤه غير قابلة على التمييز.

الأمثال أكثر من أن تُحصر في مقال الغرض منه تناول ما حدث ليلة الأمس من تعليقات تناولت الهزة الأرضيّة التي جاءت وسائط التواصل الاجتماعي هذه المرّة لتختصر لنا فيها الزمن الذي كانت تستدعيه انتشار ردود الأفعال في الماضي، فخلال سويعات حرجة من ترقّب (الموجات الإرتداديّة) المفترضة، خرجت علينا جماهير الفيسبوك العراقي بما تفتّقت عنه عقول المتربّصين بالكوارث، لكي يُعيدوا لنا أمجاد أولئك الروّاد الذين وثّقوا لنا مآسي الحروب والحصار والعنت، بما ظلّت تتناقله الأفواه والأسماع من تلكم المناقب.

والمتتبّع للگروبات العراقيّة ذات الأرقام الفلكيّة من الأعضاء، في الفيس بوك تحديداً، ممّن قضى ليلته يترقّب عودة (الزلزال)، سيُدرك مدى (التحشيش) الذي وصل إليه هذا المجتمع الافتراضيّ، وكيف قُيّض في سويعات، اختصار تلك الواقعة في تعليقات مصحوبة بمقاطع فيدويّة أو صور مركبّة عمد واضعوها إلى حشرها بما أمكن من كوميديا فاقت في سوادها سواد عيون العراقيّين التي جاءت الدبابات الأمريكيّة من أجلها، بقادتنا الأفذاذ الذين لم يكّلف واحدهم نفسه بتطمين رعاياهم من المذعورين، ولو بكلمة.

فعدا عن أصحاب (نظريّة المؤامرة) الذين وجدوها فرصة لفضح مؤامرة أمريكا ضد هذا الشعب المقهور، وكيف أنّه صار ضحيّة لتجاربهم الهايدروجينيّة التي سببت الزلزال، جاءنا جماعة آخرون بتفسير ودلائل مقنعة عن دور إيران الواضح بالتسبّب في هذه المأساة التي شملت العرب والأكراد معاً، سنّة وشيعة! وتساءل أحدهم لائِما:

  • چا التمّن وقيمة ما غزّرن بالزوّار؟

(الملاحدة) المشاكسون أيضاً ورهطهم كانت لهم طرفهم البريئة من مثل:

  • صديقي ملحد بس شعر بالهزّة صاح: دخيلك ربّي، فآني گتله إحنه مو ملحدين شلون تندعي؟ فهوّه گال: هاااا.. إي صدگ أستخفر الله لعد.

ووجّه أحد المخضرمين ممّن عايشوا الحروب والحصار والخطف والموت والإرهاب والقتل على الهويّة، حديثه إلى السماء قائلاً:

  • خو سوّيته كلهن؟؟ بقت بس نعل ما شمّرت علينا من السمة.

وراح آخر، في إشارة لا تُخفى على اللبيب، يغمز من طرف خفيّ إلى الخلاف الأزليّ بين شيعة العراق وسنتّه بخصوص رؤية هلال رمضان:

  • سنّي خابر شيعي گال له شلونهه الهزّة يمكم؟ جاوبه: إحنه شيعة هزّتنه باچر.

أمّا الخمّارة، وأصحاب (الخروج من الترابي على التبليط) بعد الثانية عشر ليلاً، فالكثير منهم زعموا أنّهم ما أن شرعوا باحتساء أوّل (بيك عرق)، حتّى ذهب تصوّر واحدهم إلى أنّه (خوش نوعيّة) ويخلّي الگاع تتماوج عبالك بالبحر، قبل أن يتبيّن لهم أنّها كانت رعدة بسبب ظاهرة طبيعيّة وليس بسبب جودة المشروب وكونه (أصلياً).

بينما ذكر خمّار آخر إلى أنه كان معوّز (مزّة)، وبسبب (الخضيض) وجد أن الحليب في الثلاجة تحوّل لبناً خائراً فشكر الله على نعمائه.

أحدهم تندّر بطريقة ابتكاريّة مازجاً إيّاها ببعض التفسيرات العلميّة التي تربط بين تصرّفات بعض الطيور واستشعارها بالهزّات قبل حدوثها، وهو يقول أنّه ما أن سمعته جدّته يقول ذلك إلا وردّت عليه بسخرية وسخط:

  • حبّوبة خلّي علمك بجعبك، چا مو ذنّي دجاجاتي هل اهتزّر الحايط هزّ وهنّه ولا چنهن!

أما أصحاب الغضب الإلهي فقد وجدوها ذريعة لإلقاء الخطب والمواعظ التي تُذكّر بأهوال يوم القيامة وما إليه، وهم يلقون باللائمة على الفساد الذي ضرب أطنابه في مجتمعنا (الكافر) والذي دعى الله إلى أن يرسل عليهم نذُره لكي يرعووا.

الزواحف والحدايق والملطلطين واللواحيگ، (بمصطلحات الفيسبوكيّين)، كانت لهم مساهماتهم أيضاً التي لم تخلُ من دعابة خفيفة مثل:

  • بنات المنطقة من الخوف كلهن طلعن بالقصير، واحنه تگول واحدنه طالع لأوربا يتفرّج.

بينما تهكّم آخر على جاراته الناعمات المتغنّجات بالقول:

  • وأخيراً شفت بنات منطقتي بلا مكياج.. (مردفاً ذلك بسمايل معبّر جدّاً لوجه ضاحك بعيني دامعتين).

 

الأطرف على الإطلاق صورة (برنت سكرين) لحوار بين شاّبة وصديقتها جرى على النحو التالي:

  • آني أهلي كلهم طلعوا بالشارع وآني لابسة قصير، فتلفلفت بالبطانيّة وأخذت تليفوني والشاحنة وطلعت.

فكانت إجابة صويحبتها:

  • الله يطيّح حظّچ إنتي والشاحنة.

Top