قراءة لشهادة حيّة في أهوال سجون البعث

قراءة لشهادة حية في أهوال سج     2017/11/07 17:34 عدد القراءات: 2180




تستهويني، كلّما وقعت يدي على أحدها، كتب مذكّرات السجون، العراقيّة بالذات، ولا أظنّ أن كتاباً منها فاتني. بل وحتّى ما لم أقع عليه منها، فإنّني أسعى للحصول عليه بشتّى السبل، سواء بالسعي لشرائه، أو بتكليف هذا أو ذاك بتوفيره، حتّى تكوّمت عندي في قعر صندوق ملحق بالمكتبة، بضع طبقات من هذه الكتب.

ويعود ولعي بهذه السير الفريدة، إلى أنّني كنت، وما زلت، أسعى في حثّ كلّ من عاش هذه التجربة على الكتابة عنها، لتصير وثيقة تأريخيّة تُضاف إلى مصافّ الوثائق التي تُعنى بحقب الحيف والجور اللائي نال منها العراقيّ المغلوب على أمره، ما نال. ولعلّ آخرها كتاب الشاعر (عبد الزهرة زكي) المعنون (واقف في الظلام) عن تجربته القصيرة في موقف سجن مخابرات البعث.

ولربما يكون أطرف ما تحصّلتُ عليه من هذه الفرائد، الكتاب الذي وضعه الشاعر النجفي (فاضل الرادود) والذي حمل عنواناً ساذجاً هو (ألف عدو ولا صديق) وقد جاء في نسبته أنّه (بقلم السجين فاضل الرادود) حين نشره ابنه (عصري) عام 1955، وبالطبع فلا غنى عن كتاب (جعفر الخليلي) المعنون (كنت معهم في السجن) والذي ضمّ فصلاً عن (فاضل الرادود) هذا، ابن مدينته.

أمّا قصّة كتاب (من أعماق السجون) الذي صدر عام 1955 باسم المؤلف (محمّد راشد) فإنّها لا ريب واحدة من أكثر قصص ولادات الكتب غرابة، وقد فصّلها في مقدّمة الطبعة الجديدة من الكتاب، الباحث (محمّد علي الشبيبي) حين حقّق الكتاب وأصدره قبل عامين وقد وضع اسم مؤلّفه على أنّه (عبد الجبّار وهبي) أو (أبو سعيد) كما كان يكنّى والد الفنّناة المغتربة (أنوار عبد الوهاب). وهي قصّة نحيل من يريد معرفتها بالتفصيل، إلى مقدّمة هذه الطبعة من الكتاب.

أما ما صدر بعد سقوط كتلة البرونز من كتب أدب السجون، إن جازت التسمية، فهي حسب ظنّي قد تعدّت ما صدر قبل 2003 من هذا الأدب بكثير، ذلك إن كمّ الحريّة التي أتيحت للسجناء السياسيين في ما بعد حقبة البعث، حفّزت بعض ذوي التجربة المريرة على تدوينها إسوة بمن سبقوا من الرعيل الأوّل. وفي زيارة سابقة لي إلى معرض كتب (مؤسسة السجناء السياسيين) في القشلة بالمتنبي، فقد حصلت على وفرة منها.

ولكي لا أوصم بالطبيب الذي يداوي الناس وهو عليل، فقد كان عليّ أنا شخصيّاً، نزيل سجن استخبارات الشعبة الخامسة وموقف السجن العسكري رقم واحد، وسجن أبي غريب سيّء الصيت دائماً وأبداً، أقول أنّه كان عليّ أن أوثّق جزءاً من هذه التجربة، فاختصرت منها ما يستحقّ الكتابة عنه، في كتاب الحكايات الذي صدر منتصف هذا العام 2017، مُعرضاً عن ذكر الكثير، ومؤجلاً تفصيل ذلك إلى وقت مناسب قد أتوفّر عليه.

ومناسبة الحديث عن مذكّرات سجناء الرأي، أنّي فتحت هذا اليوم، السادس من تشرين الثاني، كتاباً اشتريته قبل يومين، من ضمن هذه السلسلة، لأقرأ في أول سطر من فصله الأوّل: "الساعة 8:10 دقائق من صباح 6/11/1976، كنت ألقي المحاضرة الصفيّة في النظريّة النقديّة على طلبة الصفّ الرابع من قسم الاقتصاد في كليّة الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد حيث كنت أستاذاً متفرّغاً فيها، واثناء انهماكي في مسح اللوحة (السبورة) فُتح الباب وأطلّ منه الدكتور حميد جاسم الجميلي، رئيس قسم الاقتصاد، وطلب منّي مكالمته خارج الصفّ، وحين التقيته كان وجهه مصفرّاً، وبكلمات مرتجفة وخائفة جدّاً أخبرني بأن السيّد النائب صدّام حسين يستدعيني فوراً في مقرّه في مجلس قيادة الثورة....".

ما هذه المصادفة الغريبة؟ قلت لنفسي، أن أفتح الكتاب لأقرأ ما حدث قبل واحد وأربعين عاماً بالضبط، إي في مثل هذا اليوم تماماً؟!

استغرقت في قراءة الكتاب مؤجّلاً كلّ ما كان قد خطّطته لنفسي لهذا النهار، فصفحاته المائة، تُغري باستمرار القراءة، وهكذا فرغت منه خلال سويعات، قدّرتُ بعدها حجم الخسارة التي سيُمنى بها تأريخ السجون فيما لو لم يمتثل (الدكتور طالب البغدادي) لضميره، فينشر لنا كتاب (حكايتي مع صدّام) الذي أعترفُ أنّه واحد من أهمّ ما كُتب في هذا المضمار.

الكتاب من إصدار دار الورّاق لعام 2010، وأعجبُ لأنّني لم أعرف عنه إلاّ حين وقعت عيناي صدفة على عنوانه، في مكتبة مجاورة لداري سطور والحكمة في الزقاق المعروف بالمتنبّي.

هذا الرجل جاب، وعلى مساحة خمسة أعوام، بعض سجون تلك الحقبة، ووصف لنا بشهادة حقيقيّة ما وقع له فيها من أهوال، ولكي لا أفسد متعة قراءة الكتاب على المتشوّقين لها، سأختصر عبارة واحدة من صفحته الأخيرة لأنهي بها مقالتي هذه، تخصّ سؤالاً طرحه شقيقه الأكبر غداة إطلاق سراحه من حاميّة المخابرات:

  • ما هو أغرب شيء رأيته منذ دخولك وحتّى خروجك؟
  • رأيتُ أناساً موقوفين وقد نمت الطحالب فوق أجسادهم!

Top