كريم راهي

إنته وخيوطك

إنته وخيوطك     2017/11/03 19:39 عدد القراءات: 1851




كريم راهي

 

أما وقد أعلن نجم الشبّاك الأمريكي (كيفن سبايسي) مؤخّراً مثليّته الجنسيّة، مُفرّطاً بتأريخ طويل من نجوميّته كأفضل من لعب دور الشريّر في سينما هوليوود، فها قد أعلنت البشريّة أنّها باتت أكثر صرامة حيال رعاياها فيما يخصُّ سبايسي ورهطه ممّن لم يعد عار المثليّة وشنارها على طول التأريخ، يمثّل عاراً عليهم.

ورغم أن سبايسي خسر بعد هذا التصريح ملايينه التي كان يدرّها عليه دوره في مسلسل (House of cards) بسبب غضب مُنتجي المسلسل بعد زعم أحد ممثّلي الدرجة العاشرة أنّ صاحبنا اعتدى عليه جنسيّاً عندما كان بعمر الحادية عشر، في التسعينيّات كما صرّح. إلا أن إعلان سبايسي عن مثليّته جاء التفافاً على أن يوصم بالـ(بيدوفيليّ)، فقام بهذه الحركة البارعة، وهو يقول في نفسه: فليذهب المسلسل وملايينه إلى الجحيم.

والبيدوفيليا، لمن لا يعرف بمعاني المصطلحات المواربة، هي رغبة البالغ بممارسة الجنس مع أحد القاصرين، ذكراً كان أم أنثى، وهي الآن تُعدّ جريمة كبرى في شرائع العالم المتحضّر الذي لم نعد ننتمي إليه، خصوصاً بعد نيّة برلمانيّينا بالتصويت لصالحه في دورة مقبلة.. بما ينعتونه عندنا بـ(تزويج القاصرات).

ورغم أنّي، بحكم إقامتي في أوروبا لفترة طويلة، أقف موقف المحايد من المثليين، إلاّ أنّني لا أتمنّى في قرارة نفسي أن يقف أحد أبنائي أمامي ذات يوم ليقول لي بكلّ ثقة:

-           بابا.. أنا أود أن أعلن لك أنّي أفتخر بكوني (هومو).

لكنّ هذا لا يعني أنّي أنظر إلى (توماس)، صديقنا السويديّ، نظرة دونيّة، بل العكس، فـ(الرجل) غاية في الظرافة والصدق.. والشرف، بمفهومه الغربيّ لا العربيّ طبعاً. ولا يعني أيضاً أنّني انتقص من فلان صاحبي الذي أكسبني خلال عشرتي وإيّاه لما يقرب من أربعة عقود، خبرته العميقة في هذا المضمار، وجعلني أضحك على الدوام وأنا أقصّ على أصحابي الذين تجمعني بهم موائد الشراب، مغامراته وقصصه وتأويلاته التي لا تنتهي عن (الحبل والضفيرة والمشامش والبثور) وغير ذلك من المصطلحات التي لا أجرؤ على الإجهار بها.

وإن يكن سبايسي الغربيّ قد أعلن مثليّته في وقتٍ كان العالم، كما قلت، متسامحاً فيه إزاء هذا الأمر، فلقد سبقه في ذلك، بما يزيد على القرن من الزمن، مواطني النجفيّ الفذّ، الشاعر (الحاج زاير الدويچ)، في الشعر على الأقلّ، حين كان يكتب عن هذا الغلام أو ذاك، بما ملأ فيه الجزء الثاني من ديوانه ذي الأجزاء الخمسة، الذي جمعه وطبعه الشيخ (محمد باقر الأيرواني) بمطبعة النعمان في النجف خمسينيّات القرن الفائت، والذي كان يورد فيه (أي الأيرواني) مقدّمة عن كل قصيدة من قصائد الدويچ، تُفصح عمّن كُتبت له، على سبيل التوضيح وإثبات حقوق المهدى إليه من قبل: وقد نظمها في شاب جميل الوجه حسن الصورة من عشيرة الـ(...) واسمه (أسود)، أو: أنشأها في فتىً اسمه (عبد) من سكان مدينة النجف... ثمّ تترى الأسماء: بهلول، محمد، خيّون، محسن، مراد، جدر، اسماعين.. وللأخير كتب قصيدته الغزليّة التي مستهلّها (سلّيتني يسماعين) التي قال فيها الكثير ممّا يُعرض عن قوله في أيّامنا:

إنته (الجنان السبعة).. وانته (الحجر والمسعة)

حولك لطوفن سبعة.. واقره اعله خدّك (ياسين)

                        ***                                           

وانته (الصفة والمروة).. وانته (الركن والعروة)

عنّك فلا لي سلوة.. إنته الديانة والدين

ولا ريب أن المهتمّين بأدب الحاج زاير، يعرفون بقصّته مع (هادي) الذي بكاه طويلاً حين سيق إلى الجنديّة في العهد العثماني، في قطر تحديداً، وصار يبعث له من هناك آهاته وحسراته الحرّى، وتفاصيل ذلك لمن أراد الاستزادة موجودة في الكتاب الذي وضعه عن حياته وشعره ونوادره الباحث (صادق حمّودي)، ونشره طيب الذكر (الشطري) صاحب مزاد المتنبيّ المعروف.

ولئن كان الحاج زاير قد لجأ لهذا النوع من الغزل العلني بالمذكّر، فإن هي إلا حاجة الشاعر لقول الشعر في هذا المضمار، في وقت عزّت فيه رؤية فتاة تمشي بطولها في شارع أو سوق، في مجتمع أبوي ذكوري أقرب لمجتمعات السجون والمعسكرات، حين يعمد ذوي الأحاسيس الجيّاشة إلى الاستعاضة عن حبّ الإنثى بما هو متوفّر.

وأذكر في هذا الصدد طرفة ساقها إليّ أحد الأصدقاء في واحدة من الجلسات التي كان الحديث فيها قد شطّ بنا إلى أيّام الجيش والحرب والمعسكرات والإجازات المتوقّفة التي كانت تُلجيء أولئك (المغتلمين) إلى اصطياد غنائمهم من المتغنّجين، الذين هم في العادة من خاصّة الضبّاط، ولربّما غلمانهم، من الذين يُدعى واحدهم بـ(المراسل).

والقصّة هي أنّ (عبد الباقي) وهو أحد نوّاب الضبّاط المسلكيّين كان شغوفاً بهذا النوع من (المشامش)، وكان يميّزهم من بين القادمين الجدد للمعسكر بمجرّد نظرة واحدة لا غير. وحدث أنّ جاء (بوحي) –اسم التدليل لصباح- نقلاً عن إحدى الوحدات، فالتقطته عين الصقر عبد الباقي بخبرتها الرصينة، وما أن مرّ بوحي قرب غرفة رئيس عرفاء الوحدة هذا، نائب الضابط، حتّى امتدّت يداه لتخطفانه من الممشى إلى داخل الغرفة في غمضة عين، وفي غمضة أخرى بادر المسلكيّ ذي العين المدرّبة لتجريد هذا الفتى الأمرد من بدلته العسكريّة، لكن صبّوحي شقّ عليه أن يتمّ أمر نكاحه وهو يضع رتبة (نائب العريف) على ساعده الأيمن، فطلب من فحله أن ينزع عن ساعده الرتبة احتراماً وهابة لها، قائلاً:

-           سيّدي بس خل أنزع خيوطي.

لكن عبد الباقي المتعجّل لفعل الحبّ، لم يرُق له هذا الطلب، ولم يزد أن يقول له وهو يخرط سرواله بمهارة وحذق:

-           إنته وخيوطك... إنته وخيوطك!

Top