كريم راهي

أنا والشيخ التبريزي والديك

أنا والشيخ التبريزي والديك     2017/10/30 20:49 عدد القراءات: 2268




كريم راهي

أحبّ جذور الأفعال، ولا يتصوّر أحد مقدار متعتي وأنا أحاول ردّ كل مفردة جديدة تطرق سمعي إلى جذرها اللغويّ، ولطالما فكّرت في جذر فعل (قُزِّلْقُرْط) الرباعيّ، الذي يترافق وبداية استيقاظي غير المبكّر -كالعادة- من نومة شحيحة متقطّعة لم تنفع معها طوال خمس وثلاثين سنة سوى المنوّمات والمهدّئات. ذلك أنّي ممّن يرون النوم قبل الثانية بعد منتصف الليل (نوم دجاج)، وعليه، فإنّ استيقاظي لم يحدث وأن جاء مبّكراً قطّ. ولم يحدث، طوال سنوات طوال، أنّي بكّرت في الاستيقاظ على صوت زقزقات العصافير وصياح الديكة، بل العكس، فلطالما كانت أصواتها تنطلق وأوّل إغماضة لي ودنوّ الفجر، ممّا يجعلني -لا شعوريّاً- أمدّ بعنقي خارج الغطاء لأردّ على أوّل (عيعو عيعو) منطلقة من ديكٍ ما بالجوار، بجواب تقليدي هو: او قزّلقرط!

وعلى أنّي لا أعرف معنىً لهذه المفردة الدخيلة على قاموس شتائمي الفقير، ولم أقع لها على جذر لغويّ، فقد بتُّ لا أعتقد، جازماً، أنّها تعود إلى السومريّة أو الأشوريّة أو حتّى الآرامية، بعد أن صرفت مبالغ طائلة في شراء القواميس والمعاجم وكتب اللسانيّات ولم أفلح في الوقوع على معنى للكلمة إيّاها، وبات يُقلقني أن الأمر تطوّر عندي وصار أشبه بالحالة المرضيّة أسميتها (هوس القزّلقرط)، ثمّ تماديت فمنحتها اسماً علميّاً لاتينيّاً من عندياتي هو (Kareemrahikuzzilkurtus Phobia) على اعتبار أنّني أوّل من شخّص هذه الفوبيا ووّثقها علميّاً ثم ثبّتها، كعادة العُلماء، باسمه.

وبدأت أشعر أن عليّ، اتّقاءً لئلّا أصاب بالجنون، تغيير مكان سكني إلى بقعة شديدة الهدوء، لا تعكّر فيها صفو نوماتي صيحة ديك تجعلني أفكّر بجذر الفعل إيّاه.. فكانت وجهتي السويد!

حين سألتني طبيبة (الصليب الأحمر) عن أسباب التياذي بـ(مركز معالجة الأمراض النفسيّة للوافدين من الدول المنكوبة) وطلبي العون، لم أجرؤ على القول أن ذلك متأتٍّ من إخفاقي في اكتشاف جذر رباعي لشتيمة أُطلقها فجراً بسبب صياح ديك (وهو التعريف الذي وضعته لتشخيصي الفوبيا إيّاها وألحقته بالمصطلح الذي ضمّنتهُ اسمي في ورقة البحث التي لا زلت أحتفظ بها)، فأجبتها أنّ سبب ذلك هو الحروب والسجون والعذابات والتخفّي والملاحقات التي لشدّما عانيت منها في بلدي الأمّ، ولم يكن ذلك مبالغة منّي أو ادّعاءً كاذباً، فأنا بالفعل قضيت نصف حياتي ضحيّة لحروب صدّام العبثيّة ومزاجيّات جلاّدي سجونه، عنك ملء استمارات أمن كل منطقة أنتقل إليها فارّاً من أخرى، تلك الأوراق التي تحتّم على الإجابة الصريحة فيها على أسئلة من قبيل (هل لديك أقارب من الدرجة..؟) إلخ.

ولم تكن السويد حلاّ!.. فهنالك تعرّفت على الطائر الخبيث الذي تُطلق عليه تسمية (عصفور الفجر) تحبُّباً، والذي ما أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، حتّى تخترق صيحات (كيكُكو.. كيكُكو) الصادرة منه، زجاج غرفتي السميك المضاعف المفرّغ من الهواء، وبنفس حدّة (ديك بغداد)، فأصحو فزِعاً لأردّ عليه بالشتيمة ذاتها، ثمّ أدخل في دوّامة الأسئلة إيّاها عن الفعل الرباعيّ المشؤوم الذي لم أستطع تحديد إن كان جذره الرباعيّ (قَزْلَطَ) أم (قَزْقّطَ) على وزن (فعللَ).

في واحدة من نوبات فزعي في المنفى القطبيّ، وفيما الطائر المشؤوم يشدو فجراً بصيحته الـ(اقتران شرطيّة) تلك، فطن شريك لي في (مركز العلاج النفسي للوافدين من الفوبياوات المستعصية) -وكان إيرانيّاً- إلى أنّني صحوت من سريري بفزع ما أن شرعت بالنوم، وأنّني أخذتُ بالتعوّذ والحوقلة و(القزقطة) وما إليها، ولم يشأ أن يسألني عن السبب إلاّ في ليلة نهاية أسبوع تاليه جمعتني وإيّاه في شقّته الستوكهولميّة مائدة حافلة بكل أسباب الإنشراح، ليسألني بحذر بالغ عن سبب فزعي اليوميّ بمجرّد أن أضع رأسي على الوسادة، وما أن تمكّن الشيء إيّاه منّي حتّى وجدتني ألقي على أسماعه محاضرة نفسيّة رصينة عن فوبيا الـ(كريمراهيقزلقرطوس) وأسبابها والدوافع التي تدعو المصابين بها -من أمثالي- إلى طلب اللجوء في دول الغرب ومراجعات مراكز الصليب الأحمر وما إليه من القصّة التي رويتها له بحذافيرها من الألف إلى الياء.

وكان صاحبي قد شفي من مرضه بمجرّد أن وطأت قدماه أرض السويد، فقد كان يعاني من فوبيا فوضى المرور التي  تسبّبها سيّارات السايبا  والدرّاجات الناريّة ذات السرع الجنونيّة في شوارع طهران، وهو الأمر الذي لم يكن له أن يحدث في طوال هذه البلاد وعرضها، فلا من سايبات مسرعة هنا في ستوكهولم، ولا من فوضى درّاجات ناريّة، خصوصاً أن موسم الثلوج كان يقترب، وأعضاء نوادي الدرّاجات الناريّة يتأهّبون لجولتهم الخريفيّة الأخيرة، لكي يركنوا آلاتهم الجهنّمية وسترهم الجلديّة في الكراجات المنزليّة طوال فترة الصقيع، منتظرين مقدم موسم الربيع بشغف.

ولم يندُ من صاحبي أيّ ردّ فعل مُصاحب بعلامات تعجّب كنت أنتظرها وأنا أنهي حكايتي المريرة مع طيور الفجر هنا وهناك، فإن كل ما فعله هو أنّه توجّه إلى جهاز الحاسوب خاصّته، ثمّ عاد بعد عدّة (كليكّات) على لوحة المفاتيح، وفي يده ورقة بحجم فولسكيب، وقد كُتب فيها على ما يبدو أنّه عنوان لشخص ما في بلد ما.

-       ما هذا؟ سألته بتعجّب.

-       لا عليك، ابحث عن هذا الشخص في مدينة (قم) بإيران، وستجد عنده دواءك الشافي.

ثمّ أردف:

-       لا أحد في مكتبة المرعشي هناك، بل في طول (قمّ) وعرضها من العلماء، من لا يعرف الشيخ (محمّد نجف التبريزي)، ما عليك سوى لقائه.. وهو من سيتكفّل بشفائك أكيداً!

ولمّا كنتُ ذا رواسب ثوريّة أورثني إيّاها العمل السريّ في مقتبل شبابي، شرعت من ساعتي في طلب تأشيرة دخول من السفارة الإيرانية التي قابلني فيها السيّد القنصل بابتسامة غامضة وهو يقرأ أسباب طلبي للفيزا التي جاء فيها: (سفرة لُغويّة علاجيّة)، ثمّ سألني بأدب جمّ إن كنتُ متأكّداً من السبب، فأجبته بكلمة (بلي أغا) مؤكّدة، حاولت أن أظهر له فيها (نجفيّتي) التي تُحتّم على كلّ من يولد على أرضها، أن يكون عارفاً ببعض مفردات الفارسيّة، ولو كانت (بلي أغا) فقط، التي كرّرتها على أسماعه أكثر من مرّة.

اكتريت سيّارة أجرة من المطار إلى مدينة (قم) التي وصلتها قبل صلاة الظهر، ولم يستغرق الأمر سوى دقائق معدودة حتّى رأيتني قبالة شيخ وقور طالت لحيته حتّى وصلت أسفل عنقه، وقد شابت لونها الأبيض صبغة برتقالية ضاربة إلى الحمرة، أظنها الحنّاء، استقبلني بودّ ظاهر، وسألني بتشكّك، بعد أن تأكّد له أني قادم من أوروبا لملاقاته شخصيّاً.. وبالإسم، بادرته بعد التحيّة.

-       شيخنا مشكلتي مع جذر مفردة (قزّلقرط).. أو على الأغلب معناها الذي ما أن (وضعتُ رأسي على وسادة) منذ خمس وثلاثين عاماً إلاّ وداهمتني.

وشرعت أقصّ عليه الحكاية من أوّلها إلى آخرها وبالتفصيل، حتّى أنّه قلب صفحة دفتر ملاحظاته أكثر من مرّة، مستفهماً ومدوّناً إلى أن وضع الكرّاس جانباً ثمّ أخذ بيدي إلى غرفة المعلومات ليجلسني قبالة جهاز الحاسوب الحاوي على قاعدة معلومات أكبر مكتبة عامّة تخصّصيّة في الشرقين الأدنى والأوسط.

وبعد عدّة نقرات على الكيبورد، ثم غيبة قصيرة عاد بعدها بمجلّد سميك الحجم ذي جلد أسود، سألني الشيخ التبريزي مُبتسماً، وبعربيّة فصيحة لا تشوبها شائبة:

-       إنته الزاهر متأسّر هواي بأغاني كريم منسور.. مو هيچ؟

ولم أفهم المغزى من سُؤاله بالطبع، فما علاقة أغاني المطرب (كريم منصور) بمتلازمة (الديك والفزّة) التي قطعتُ آلاف الأميال من أجل لقائي به لتخليصي منها، لكنّني ما أن تذكّرت أنّي قلت له في شرحي للحالة أنّها تبدأ عندي كلّما (حطّيت راسي عالمخدّة)، حتّى أكملت بعربيّة مُبالغ في اختيار مفرداتِها، وقد تلبّستني حالة انتشاء مباغتة:

-       وتزكّرتهن وهدة وهدة...

ولم يُشرع مؤّذن صلاة الظهر في ضريح السيّدة معصومة القريب بالتكبير، إلاّ وأنا أشعر أنّ كابوساً ثقيلاً كان قد جثم على صدري منذ عقود، وقد انزاح للأبد، خصوصاً بعد أن قرأ لي الشيخ بعد الانتهاء من وصلتنا الغنائيّة المشتركة، مقالة الأب (أنستاس ماري الكرملي) في الجزء الأوّل من السنة الثالثة- تمّوز 1913 في باب أسئلة وأجوبة، والتي أجاب فيها عن معنى كلمة (قزّلقرط) لسائل كان يشكره لشرحه معنى كلمة (زقنبوت) في عدد سابق، ويسأله عن هذه الكلمة المقلقة، يقول الكرملي نقلاً عن المصدر إيّاه:

"أصل كلمة قزلقرط

كتب إلينا أحد أصدقائنا في بغداد: قال بحثتم عن أصل معنى زقنبوت ولم تبحثوا إلى الآن عن أصل كلمة قزلقرط فنرجوكم أن تفعلوا.

قلنا: يلفظ البغداديون هذه الكلمة بضم القاف وتشديد الزاي المضمومة وسكون اللام وضم القاف الثانية وسكون الراء وطاء في الآخر والبعض يقولون قزرقرط وقزرقط بإبدال اللام راء في الأول وبحذف الراء في الثاني. وآخرون يقولون: قزل قوردا وقزل قورت وكلها بمعنى واحد وأصل واحد وهو التركي (قزل قورد أو قزل قورت) ومعنى (قزل) أحمر (وقورد أو قورت) دود والمراد دود أحمر واسمه الثاني بالتركية (أت قورتي) وهو يتولد في الجلد أو اللحم على زعمهم ويكون سبب موت المصاب به، ومحصل المعنى (عسى الدود يقع في جلدك ويميتك)، ويحتمل أن تكون اللفظة من الكردية (قزلقرت) وهي دويبة كالدودة تتخذ لها بيتاً من هشيم الكلأ تلصق ذنبها به وتمشي به وربما تأكلها الدواب فتموت منها. راجع كتاب الهدية الحميدية، في اللغة الكردية، تأليف يوسف ضياء الدين باشا الخالدي مادة قزلقرت. - وقد قيل أنها مركبة من (قوص) التركية ومعناها (منفوخ) (وقورت) أي دود ومحصلها واحد. وهذه اللفظة تستعمل للدعاء على الإنسان وهي كثيرة الورود مع غيرها فيقولون (وجع وموت وقزرلقرط). ونحن نرجع أنها بمعنى الدود الذي يتولد في جسم الإنسان. ولعل العبارة قديمة في هذه الديار. فقد جاء في أنشودة يهوديت (16: 21) يسلط على لحومهم النار والدود لكي يحترقوا ويتألموا إلى الأبد. ومن ذلك عبارة البغادجة (موت وقزلقرط) كأن هذا الدود يقع فيهم بعد موتهم لتعذيبهم وإن كان الميت لا يتألم عذاباً في جسمه لعدم شعوره حينئذ؛ إلا إن هذا التعبير يصور ما يتمنى للميت من الأعذبة تمثيلاً به. والله اعلم".

هذه الليلة، وما أن وضعت رأسي على الوسادة، حتّى شرع ديكٌ طهرانيّ بالصياح. لم أشعر بالقلق، ولم تُعد تلك الفوبيا تأخذ منّي مأخذها خصوصاً بعد لقائي بالشيخ التبريزي واستعراضنا لتأريخ (كريم منصور) الغنائي كلّه، مروراً بأغنية (غريب آنه غريب آنه) التي أديناها معاً بطريقة فرقة خشّابة (سعد اليابس) قبل أن ينشقّ (محمّد السالم منها). وكلّ ما فعلته أنّي فتحت الشباك لأردّ عليه –أعني الديك- بالشتيمة الجديدة التي لا تحتاج لجذر فعل:

-       او دود أحمر!

ثمّ رحتُ في غفوة هانئة.

 

Top