عن الچاكات والمولات والفلس الأحمر

عن الچاكات والمولات والفلس ا     2017/10/24 13:48 عدد القراءات: 1861




قرّرت أن أذهب  هذا العام إلى (معرض بغداد الدولي) دون أن يكون الفلس إيّاه في جيبي، فلقد أسلمني حمله طوال سنوات عدّة إلى اليأس، وفكّرت أنني لم أعد أحفل إن كنت سأحصل على سيّارة (الفولگا) الموعودة أو أن أعود إلى المنزل راجلاً، فلقد أرهقتني عمليّة حمل عملة نحاسيّة ذات قيمة دون (الصفر) في جيبي طوال أربعة عقود لم يحصل فيها ما يدعو للتفكير بتكرار الجولة لعقود قادمة، خصوصاً وأنّ تفكيري تحوّل من الرغبة بالفوز بسيّارة، إلى رغبة التفكّر في كيفيّة الفوز بنظرة إعجاب من واحدة من بنات بغداد اللواتي ستزخر بهنّ بالتأكيد ممرّات وأجنحة المعرض ككلّ عام، بعد أن كنتُ قد لبستُ أزهى ثيابي وحلقت ذقني وعطّرته، وعكفت على تلميع قرعتي وحذائي بشكل مبالغ فيه، فهذا هو يوم (التصابي) السنويّ الذي أحرص على عدم التفريط به.

في العام الماضي، كما في كلّ عام، كان المعرض فرصة لأن تستعرض بنات بغداد فيه ما ليس يمكن أن يُرتدى من أثواب في المناسبات العامّة، وسيمنحهنّ هذا العام، وبالتأكيد، فسحة أكبر من الحريّة، لا ريب وأنّ موجة التحجّب الإجباريّة بفعل العرف الاجتماعي قد انحسرت بعض الشيء، بمثل ما انحسرت به أطراف التنّورات، كما أن الأكمام باتت في موضتها الجديدة تُظهر شيئاً غير قليل من الأكتاف، هو بالتأكيد إعراب عن إبداء الأنثى لرغبتها في إغواء الرجل، الدأب الذي لم ينقطع منذ قصّة آدم وتفّاحته، وليومك!

الأزياء التي تبدو بها فتيات الأماكن المغلقة؛ المولات والمناسبات الخاصّة، باتت تُفصح عن دعوة مُضمرة لاستعراض المفاتن، وإن كان المتزيّأ (حجاباً) إسلاميّاً يحمل في مضمونه الحشمة وعدم التبرّج، فعلاوة على أشكال أغطية الرأس الغريبة، من أنصاف شالات وعمائم وتوربانات ما أُنزل بها من سلطان، أتت التنّورات لهذا العام، وحتّى وما قبله، بدعوات جهيرة من الغواية.. أنا شخصيّاً شاهدت منها ما ليس يمكن أن يُدعى إلاّ دعوة صريحة لإبداء الإعجاب علناً، فتنّورة ضيّقة للغاية تظهر المؤخّرات المنتفخة، التي طولها يحتاج أربعة أصابع لكي يصل حوّاف الركبتين، ستمنح أربعة أصابع أخرى من الفتنة بالفتحة الخلفيّة المسمّاة بـ(الچاكة)، أو الفتحتين الجانبيّتين اللتين تُفرجان عمّا فوق الساقين من (رحمة ربّك)، ولربّما تمادت صاحبة الشأن فوضعت أربع (چاكات) بطول يسمح أن يُسترق النظر فيه إلى ما يدعو الشرطيّ المكلّف بالحراسة في مدخل باب (مول المنصور) بأن ينسى الواجب المكلّف به، وتأخذ عيناه بالانبهار فيما تنزلق بندقيّته عن كتفه دون أن يشعر، وهو يهمهم ويبلعم مبدياً إعجابه بتلكما الساقين بكلمات ليس مناسباً أن نوردها هنا احتراماً للذوق العام.

شخصيّاً إرى في إبداء المرأة لزينتها حقّاً تفرضهُ طبيعة تكوينها البشريّ، وهي في الظاهر تنطوي على دعوة مبطّنة للجنس، أو الرغبة، دأب البشريّة والمحرّك الأساس للتأريخ، كما يزعم شيخي (فرويد)، وهذا ليس سُبّة او انتقاصاً من الأنثى، بل حقيقة تدعمها كل ظواهر الطبيعة في مواسم التزاوج بالخصوص، فما أشكال الأزهار المبهجة وألوان الفراشات وعروف الديكة ومواء القطط إلا تأكيد على ذلك، فعلى الأنثى استناداً على هذا المبدأ؛ التلميح، وما على الذكر إلاّ التصريح، وإن اكتنف ذلك بعض الدلال والتمنّع والغنج من طرف الأنثى، إلاّ أنّهن بالنتيجة، يتمنّعن وهنّ الراغبات، ويُظهرن من زينتهنّ ما أمكن، وإن كان ذلك بالباطن، وهذا شيء حسن لنا، نحن معاشر النظّارة، ممّن سينظمون في ذلك الأشعار التي لا تخلو من الآهات والتحسّر، وإن اكتنفها بعض الغموض.

وما دام الحديث قد اقترب من غموض الشعر، فسأستغلّ الموقف لتبيان وجهة نظري حول اختلافه عن الإبهام، مستعيناً بمحور الحديث الذي هو المرأة، فأقول أن غموض شخصيّتها مثلاً، يختلف عن الإبهام فيها. ولكي أتقرّب أكثر، سأستعين بمثال أكثر حيويّة، هو ملابس المرأة، إذ يعمد مصمموها إلى التفنن في شكل تلك الملبوسات (وهي في الحقيقة منزوعات)، معتمدين على أبحاث سايكولوجيّة، وحتّى فسلجيّة، معمّقة تستند إلى تأريخ الولع والوله وحتّى الـ(آه يويلي) بكلّ لغاتها:

أتدري لماذا يُصبح الديك صائحاً؟

فمن السراويل المكشكشة مروراً بالمطرّزات والمنمنمات، وصولاً إلى تصميم العباءة وشكل النقاب، كلّ ذلك معتمد على ذائقة الرجل التي ترى في كل ملبوس نسوي سبباَ لأن يقول الشعر:

من الجآذر في زيّ الأعاريب        حمرُ الطلا والمطايا والجلابيب (المتنبّي)

ولربّما كان تبرير هذا الولوج وربط الموضوعين هو الخروج بنتيجة نهائية، مفادها أن الشعر محاكاة للرغبة، حاله حال الموسيقى وكل الفنون الإبداعيّة.

"إن أصل الموسيقى هو نداء ذكور الكائنات لأناثها".. سيدنا داروين في (أصل الإنسان)، رواه تولستوي.

ولكي يتخلص الشاعر من اتهامه بفقر اللغة، ولكي يبرّر لجوءه للغموض كقيمة جماليّة، فلا بدّ من أن نؤمن بحاجته لاجتياز التابوات، والاستعانة بالغلالة كحيلة فنيّة. تماماً مثل لجوء المرأة للغلالة الرقيقة، أعني ثياب النوم ذوات الدانتيلا، من أجل لفت نظر الرجل لرغباتها، بدلاً من العري التام. وهذا هو بالضبط هدف الغموض في الشعر.

أعود لمعرض بغداد، ولسائق التاكسي الذي من المفترض أن يُقلّني إليه، فقد دعاني كمّ الآهات والحسرات الذي أطلقه وهو يشارك باقي السائقين ازدحام الشارع الموصل للمعرض، إلى التفكّر في حالة أنّني فزتُ هذه الليلة بصحبة إحداهنّ (على افتراض أنّني محطّم قلوب العذراوات)، فكيف سيكون لي أن أستعرض عليها قدراتي الماديّة، عنك الذكوريّة، وأنا خالي الوقاض وليس في جيبي (فلس) أحمر؟

  • الفلس.. آه الفلس!

صحت في سرّي، ورجوت السائق أن ينعطف ويعود بي إلى المنزل، فلربّما خطر ببال القائمين على الجناح الروسيّ (السوفييتي سابقاً) هذه السنّة أن يعيدوا الكرّة فيعلنون عن منح سيّارة (فولگا) مجّانية لكلّ من يحمل عملة معدنية من فئة (فلس) واحد كما حدث ذلك قبل أربعين عاماً.

Top