كريم راهي

مشروع كتابة "تاريخ الزبالة"

مشروع كتابة تاريخ الزبالة     2017/10/21 13:47 عدد القراءات: 1266




كريم راهي

ربّما سيكون (تأريخ الزبالة) هو عنوان مشروعي القادم في الكتابة، مقتفياً فيه أثر من كتبوا عن تأريخ الجنون والأرداف والشكّ والطاعون والطعام والتوابل والشاي وكل ما نشرته سلسلة مشروع (كلمة)، ليأتي كتابي القادم مستوفياً لشروط (إعادة كتابة التأريخ) الذي اقترحه الرئيس (المشلوع) في الثمانينيات، وأعيدت بموجبه كتابة التأريخ وفق مزاجه (البرتقاليّ) الشفّاف. وإعطاء الموضوع حقّه.

ولربما كان الحافز في ذلك هو التلال العظيمة من نفايات الطعام وغيره التي باتت تعتاش عليها الآلاف من أسر (النبّاشة) بـ (ستّوتاهم) المميّزة وخبراتهم الأكيدة في فرز النفايات إلى صالح أو طالح، عنك عوائل الجرذان العظيمة والقطط السمينة، والكلاب الضالّة، ممّن تنشط بعد منتصف الليل في عاصمة كان يحجّ إليها طلّاب العلم والمعرفة في زمن سيُقال عنه بالتأكيد.. مضى.

تصنّف النفايات في بلادنا إلى أصناف شتّى، وهناك متخصّصون في نبش والتقاط كل صنف معيّن في اتّفاقات غير معلنة لكنّها متّفقٌ عليها بينهم، فأصحاب جمع الخبز اليابس من النفايات ليس لهم الحقّ في التقاط المخلّفات البلاستيكيّة، وأصحاب إعادة تدوير البلاستك لا يتقرّبون إلى صناديق الكرتون أو العلب المعدنيّة، وقس على ذلك.

البلاد تعوم على بحر من النفط (الأجرب) إن جاز التعبير. فبعد أن اكتسب النفط صفة (الذهب الأسود)، والزعفران صفة اللون الأصفر وغير ذلك من النفوط الملوّنة، لم يترك لنا القائمون على تصنيف الألوان سوى ما لجأنا إليه من تسمية، والسبب هو إن النفايات التي امتازت بها مدن العراق الموحّد بسببها من زاخو حتّى الفاو، اكتسبت هذا اللون الذي دعانا إلى تسجيله كابتكار شخصي، بعد أن نفدت كلّ الألوان في مسمّياتها المستعارة.

ولو قُيّض لرجل أعمال متمرّس وذي خبرة عريضة في اقتناص الفرص الاستثماريّة التجاريّة، لعمد من ساعته إلى اسثمار حقوق شراء النفايات من بلديّات الدولة المفلسة، لكي يقوم بفرزها وتصنيفها كلاّ حسب انتمائها البيئيّ، وتزويد مملكة السويد بالذات، حيث أقطن، بأجود أنواع النفايات العضويّة الدسمة، لغرض استخدامها للوقود.. ولهذا حكاية:

قبل أعوام أعلنت السويد عن حاجتها لشراء أطنان من النفايات العضويّة بغرض إدامة وتشغيل المحطّات الحراريّة التي تزوّد مساكن مواطنيها بالتدفئة. فبلاد تصل درجة (حرارتها) إلى عشرين تحت الصفر في الشتاء –وأربعين تحته في شمالها- تحتاج لا ريب للإبقاء على (دلال) مواطنيها بنفس مستوى المعيشة الراقي الذي وفّرته لهم منذ عدّة عقود وللآن، ولهذا عمدت إلى ضرب عصفورين بحجر؛ التخلّص من النفايات، والحصول على الطاقة، بافتراض أن مستوى النفايات لكل فرد هو مقدار ثابت في السنة اعتماداً على بحوث ودراسات وإحصاءات ما كان لها أن توفّق بسب من ارتقادء الفرد السويدي إلى مستوى (الصفر) من النفايات بعد أعوام قليلة من تلك الإحصائيّات!

قبل عامين وجدت مملكة السويد نفسها في ورطة، فالكميّات المفترضة من النفايات التي صُمّمت على أساسها استهلاكات مراكز حرق النفايات وتحويلها إلى طاقة للتدفئة، باتت ندرتها تهدّد بتسريح آلاف العاملين في هذا المضمار، عنك النقص الفادح في كميّة الوقود الذي سيعني شتاءاً مريراً لمواطنين اعتادوا على ارتداء ملابس خفيفة في منازلهم المعزولة جيّداً ضد الصقيع.

وليست التدفئة هي وحدها من ستقع في فخّ الوعي بأهميّة تقنين الفرد السويدي لنفاياته، فهنالك معامل تدوير نفايات الورق والكرتون والزجاج والمعان وووو... من شتّى أصناف النفايات التي يتوجّب على الفرد فرزها قبل الإلقاء بها في حواضنها المخصّصة بالاختصاص الدقيق، عملاً بشروط تنقية البيئة التي انتقلت في العقد الأخير من طور الموضة إلى طور المسؤولية الوطنيّة.

ما العمل إذن وقلّة النفايات!

لم يكفِ إطلاق حملة (لا ترم نفاياتك فنحن نشتريها) في بلوغ الحدّ المطلوب من الحصول على نفايات المحارق المزوّدة للطاقة، ولا حتّى عبارات (شكراً على بقايا الطعام) التي صارت عربات نقل المخلّفات تخطّها بحروف سميكة على جوانبها، في حثّ المواطن السويديّ على الإكثار من رمي النفايات، فلجأ القائمون على شؤون الطاقة إلى الإعلان عن مناقصات تزويد البلاد بالنفايات المصنّعة (المعزولة) في شتّى بقاع بلدان أوروبا المتحضرّة. وكانت استجابة بريطانيا محفّزة لذلك، وتبعتها بلدان من أوروبا الشرقيّة والغربية على السواء، لا بل وحتّى اسكندنافيّة مثل الدانمارك والنرويج، وبالطبع فنلندا الجارة.

بلادنا تعوم، كما أسلفت، على جبال من كنوز النفط الذي دعوتُه بالذهب الأجرب، والنبّاشون من أصحاب الستّوتات والحمير من الممكن أن تُستغلّ خبراتهم في ذلك بمكافآت مغرية، والأمر لا يستدعي أكثر من تأسيس شركة فلنقل أنّها ستحمل اسم (شركة العراق لتدوير النفايات) بشرط أن يتصدّى للموضوع أصحاب كفاءات في مشاريع الثراء السريع، والتوصّل لاتّفاقيّات تزويد البلاد المهدّدة بنقص طاقتها، وبطالة الآلاف من مشغّلي محطّات تزويدها بالوقود، توفّر للأجيال القادمة من أحفادنا أسباب العيش برفاهيّة لن تعود بعدها إيرادات (النفط الأسود) كافية للعيش برخاء، بعد أن بيع بالآجل لغاية عقود مقبلة.

الموضع جادّ برغم ما يحمل من تهكّمات، وللمهتّمين بالأمر أقول: الفرص تأتي فُرادى ومرّة واحدة.. فلتباشروا بتكليف استشاريّيكم بدراسات بحوث العمليّات ومعادلات الجدوى، فليس هنالك أكثر من النفايات في شوراع مدننا، لكي يتسنّى لي التفرّغ لكتابة مشروعي في توثيق (تأريخ الزبالة) وإغناء المكتبة العربية به، وسدّ النقص في سلسلة كتابة تأريخ كلّ شيء.

Top