روح تعال باچر

روح تعال باچر     2017/10/17 15:04 عدد القراءات: 2066




منذ ما يقرب من ستّة أعوام ومعاملتي في الوزارة الفلانيّة عالقة، ورغم أن واسطتي في السنة الأخيرة هو وكيل الوزير بشحمه ولحمه، إلاّ أنّ ذلك لا يعنّي أنّها ستُنجز بيُسر، وعلّي أن أنتظر لما لا يعلمُهُ من أمدٍ، أعتى فتّاحي فأل الدوائر الرسميّة وضاربي تختها برملها.

قبل أيّام كلّفت من صديق يسكن خارج بغداد، له في عنقي الكثير من الدين، بمراجعة إحدى الدوائر ببغداد، وبمساعدة من صديق آخر توسّط لي فيها، استطعتُ أن أنجز نصف المعاملة المكلّف بمتباعتها بيوم واحد.. إلى هنا وكلّ شيء يجري على ما يُرام، وقيل لي في أوّل يوم مراجعة أنّ القسم الأكبر منها أنجز، وأن ما تبقّى هو إجراءات روتينيّة تقتضي المرور بعد عطلة نهاية الأسبوع.. "وكلهه چم دقيقة وتخلص إن شاء الله".

لم أشأ اليوم إزعاج واسطتي في هذه الدائرة بالمزيد من الضغوطات، فالرجل لديه التزامات أخرى تستدعي وقوفه شخصيّاً عليها، ولست ممّن يحبّون الإلحاح على شخص تكون أجوبته كلّها على مكالمات الهاتف التي جرت أمامي من نوع:

  • وعليكم السلام حجّي.. حجّي خلّيهه غير وقت هسّه مكلفيني بشغلة، إن شاء الله عالأحد.

سأصف الدائرة هذه على أنّها ليست من النوع الذي تكثر فيها المراجعات، وأنّ غالبية موظّفيها ما زالوا يرتدون أثواب الحداد، ولم أقف إلا على ثلّة قليلة منهم ممّن كانت لحيته حليقة، وهنالك عدد لا بأس به من ذوي الندب على الجباه، والكلّ بالطبع ينادي أحدهم الآخر بلقب (حجّي).

وعساي لا أخفي أن أقول أنّ الحركة كانت دؤوبة حين بكّرتُ بالحضور إلى هذه الدائرة، فقد كان يوم تسليم الرواتب، والكلّ، لا ريب، كان يرجو أن ينال استحقاقه المالي الشهريّ جرّاء ما قدّمه للدولة من خدمات.

الحجّي الذي سأدعوه بـ (أبو سجّاد) كان قد فرغ من عدّ المليوني دينار حين وقفتُ على رأسه راجياً تمشية معاملتي، وبالطبع فقد أجاب وسرور الراتب بيّن على محيّاه:

  • إنتظر برّة.

فيما راحت (أم آيات) المكلّفة بـ (إجراء اللازم وحسب الضوابط) لشأن ما، أظنّه تلبية لدعوة شاي في الطابق الأسفل، فقد عادت بعد نصف ساعة وقالت لي فيما شفتاها تتلمّظان:

  • شويّة وتكمل.

وهذه الشويّة بطبيعة الحال كانت أكثير بقليل، فبعد إتلاف الرئة بنصف علبة سجائر، وتصفّح (الفيس بوك) غير المجدي، لم أجد أمامي من حلّ سوى أن أطرق بابها لأسأل-غير ساخطٍ- إن كانت مهلة (الشويّة) قد انتهت؟ وبالطبع فقد كانت إجابتها هذه المرّة إيجابيّة ومؤمِّلة:

  • هسه أذّن وصار وكت الصلاة.. فد نص ساعة وتعال.

ودبّت الحركة بعض الشيء حين انطلقت صيحات الآذان من الهواتف النقّالة، وأغلقت الأبواب لأكثر من نصف ساعة، لتُفتح بعدها ويعاود الموظّفون أعمالهم المؤجلة.

أحد المراجعين ممّن كان (مشتولاً) معي للغرض نفسه قال لي أنّه أنهى المرحلة التي أنا بصدد البدء بها منذ أيّام، وأنّ معاملته تنتظر عودة البريد من البناية الثانية (وكانت تبعد بمسافة خمسمائة متر عن هذه)، وأنّ على الرواح والمجيء بين البنايتين لعدّة مرّات حتّى أصل ما وصل إليه.

المجاز ضيّق ومظلم وغير مكيّف، وأعقاب السجائر وبقع الشاي تملأ الممرّات، وعملية إيجاد مكان للجلوس والانتظار شبه ميؤوس منها، وأنا أنتظر أن يشفق عليّ أحد الموظّفين فيهتف باسمي.. لكن لا أمل.

لمحتُ أن (أبو سجّاد) لم يُنجز شيئاً مقابل مليوني الدينار، سوى أنّه أحال الأوراق لإمّ آيات، وكان طوال الوقت يتحدّث بالهاتف، ثم يغيب لبرهة ويعود. وحين بلغ منّي اليأس مبلغهُ تقرّبت إليه بأدب ثمّ سألتُه بودٍّ مُفتعل إن كان ثمّة من أمل لأن تُنجز معاملتي هذا اليوم، فأجابني بكلّ لا مبالاة:

  • روح تعال باچر!

Top