حرملة القاتل وكاتب التقارير

حرملة القاتل وكاتب التقارير     2017/10/06 18:58 عدد القراءات: 1638




أراني وأنا أكتب عن الشمر بن ذي الجوشن، قد قصّرتُ كثيراً تجاه حرملة بن كاهل الأسديّ، الشخصية الثانية الأكثر مُقتاً في الملحمة الحسينيّة التي يشنّف أسماعنا فيها الشيخ الراحل (عبد الزهرة الكعبي) كل ضحىّ من اليوم العاشر من محرّم، وهو قاتل الطفل عبد الله الرضيع، في حجر أبيه الحسين.

شخصيّاً أفضّل سماع النصّاريات بصوت الشيخ هادي الكربلائي لأنّه يؤدّيها بطور (الفايزي) البحريني الذي يشجيني أكثر من باقي الأطوار. ورغم تواضع الجودة التي تتوفّر عليها تسجيلات الشيخ الكربلائي، لقدمها نسبيّاً، إلاّ أن ارتباطي معها بتأريخ من النواح استقرّ عميقاً في الذاكرة المبكّرة، يجعلني أصفح عن فكرة الاستماع لرثائيّات ذات جودة عالية، ملتجئاً إلى (نوستالجيا) ضاربة العمق في مكان قصّي من الذاكرة يصعب الفكاك منها، ارتبطت بالشباب من جيلي الذين قادتهم تقارير (حرملة) ورهطه إلى المشانق، فيما لم يُسمح بأمّهاتهم بالولولة عليهم.

في ملحمة (التشابيه) الخالدة، لا ينال (حرملة) من الرمي بالحجارة بمثل ما يناله زميله مؤدّي دور الشمر، لأن الملحمة في تصاعدها الدرامي تدعو لانتظار لحظة مقتل الحسين والانقضاض على لاعب هذا الدور، لكنّي شخصيّاً، في المشاهدة الأوّليّة للمسرحيّة، توقّفت عند اللحظة التي يقتل فيها حرملة طفل الحسين الرضيع وهو بين يديه، وأعرضت عن متابعة بقية الأحداث، لشعوري أن المأساة الحقيقيّة تكمن في صوت الشيخ الكعبي هنا من نصّارية الشاعر محمّد اللملومي الخاص بالرضيع:

تلگّه حسین دمّ الطفل بیده         اشحال الیچتل ابحضنه ولیده

سال وترس چفه من وریده          وذبه للسما وللگاع ما خرّ

أو في مناحة الشيخ الكربلائي بحرانيّة الطور:

يبني يل تسر گلبي بشرته   كسر خاطري مذبوح شفته

عطشان ولسانك دلعته    شنهو الذنب يبني العملته

التي يشاركه الجمهور فيها بالأنين عند آخر البيت، كالعادة في قراءة هذا الطور الذي أخذه البحارنة من النجفيين، وأضافوا عليه من تراثهم البحري مشاركة محرّكي المجاذيف للنهام بالأنين الجماعي.

لطالما شغلني موضوع أن يشهد الأب موت ابنٍ له بأمّ عينيه، وكتبت بتأثير ذلك رواية عن مقتل (حاچم) ورثاء أبيه الشاعر له بقصيدة، الرواية التي لم أستطع إكمالها بسبب ذلك الشعور فركنتها إلى حين، ولطالما انفردتُ بنفسي فردّدت أبياتاً من قصيدة الشيخ (عبد الحسين الشرع) في رثاء ابنه (محّي) في أربعينيّته التي جرت في الصحن الحيدريّ الشريف، وشارك فيها شعراء العراق الشعبيين من كافة أرجاء البلاد في نهاية الخمسينيّات، والتي أحفظ بعض أبياتها عن ظهر قلب، ولمن أراد قراءتها كاملة أقول أنّها موجودة في ديوانه المعنون (منهل الشرع) بتقديم السيّد جواد شبّر، وهي من الموشّح النجفي ومستهلّها:

نار گلبي تشبه لنار الخليل                      وبالحزن يعگوب چنّي الثاني

من فگد يوسف وظل جسمه نحيل           واني مفگودي چتيل ادعاني

وحين يسترسل عبد الحسين الشرع في شرح أسباب تفوّق مصيبته عن مصيبتي النار التي ألقي فيها نبيّ العرب ابراهيم الخليل، ومصيبة النبي يعقوب (أبيض العينين) حين فقد ابنه يوسفاً، أراني أجده محقّاً في ذلك:

فرق بيني وبينهم نور وظلام          يو فرق مثل القيامة اعلى الوجود   

هذا ناره اعليه غدت برد وسلام     وانه ناري اموجّره وكلسا تزود

وذاكه يوسف ردّ اله ونال المرام      ونه اللي هيهات الي (محّي) يعود

وين هذا وذاك من نار الدليل        ومن هظم روحي ومن أحزاني

وهم تظن يحصل لعد حزني مثيل     وحالي بچّه اليحب والعاداني

 

حين أمضى الشاعر (سعدي يوسف) أيّاماً في ضيافتي باستوكهولم نيسان 2011، كتب خلالها مجموعة شعريّة بعنوان (غرفة شيراز) أهداها إليّ، وكتب في مقدّمتها: "إلى كريم راهي الذي كُتبت هذه القصائد بشقّته الضيّقة باستوكهولم"، لم أكن أعبأ بهذا الإهداء الذي هو بالحقيقة ردّاً لما كان أبو حيدر يعتقده جميلاً، فالأهمّ عندي أنّني كتبت من وحي تلك الزيارة، قصيدة (الدرويش) المهداة إليه، والتي ضمّنتُها الهمّ الذي كنتُ أدّخره لهذا اللحظة، همّ الرجل الذي كنتُ أرى عينيه المبيّضتين من الحزن لفقد ابنه، تأسّياً بالنبي الحزين؛ يعقوب، وقد ضمنّت ذلك المعنى أحد أسطر القصيدة، فاسترحت:

الدرويش (إلى سعدي يوسف)     

يَنوءُ بالخِرقةِ مازالَ

التي أورثَها، ما أورثتهُ: الوهنَ

ذاتِ الخِرقة الرثة إياها

التي ناءَ بها سبعاً وسبعينَ

عجافاً..

سَمِّها: برنسَه الصوفَ

القميصَ المشترى

معطفَ غوغول

أو البيريةَ الرقطاءَ

بل ماشئتَ

 

أو فلتكنِ الخِرقةَ إياها فحسبُ

الخِرقة الحمراء.

كم ناءَ بها ؟

في أيِّ منأى

بين ادغال القرى

والمدن القصدير

أو رملِ الأفاعي؟

........

........

إبيضتِ العينان

والشعرُ غدا أبيضَ

والدرويشُ يمضي جَذِلاً

في يدهِ خرقتُه - البيرقُ

بل يمضي إلى البرقِ، حثيثاً

مطمئناً.. أنها

حمراءُ مازالت تُسِرُّ الناظرين.

Top