أكو فد كردي...

أكو فد كردي     2017/09/25 18:14 عدد القراءات: 3250




بهذه الديباجة كانت تُستهلّ الكثير من نكات التسعينيّات، وهدفها النيل من أكراد العراق الذين كانوا قد أعلنوا استقلالهم عن السلطة المركزيّة في بغداد عقب انتفاضة آذار 91، وكان يُشاع أن طبخ هذه النكات كان يجري في الغرف السريّة التابعة لشعبة الشؤون النفسية والدعائية في مؤسسة المخابرات العراقيّة، التي قيل أيضاً أنها كانت وراء انتشار نكات الدليم والناصريّة.

فعلاوة على العصيان ضدّ حكومة البعث الذي أُعلن في أهوار الناصريّة وكان سبباً في النيل منهم بالتنكيت، كان الدليم قد نالوا حصّتهم من النكات بمثلما نالوها من الحيف الذي وقع عليهم بعد اتهام الشهيد اللواء الركن الطيار محمد مظلوم الدليمي بقيادة حركة كان هدفها الإطاحة بالنظام، وهي التهمة التي أعدم بسببها مع ثلّة من رفاقه وكانت سبباً في اندلاع انتفاضة في مدن الرمادي دامت بحدود الخمسة وأربعين يوماً.

أتذكّر أن النكات التي أُطلقت حول الدليم كانت ترسم شخصيّة الدليمي على أنّه ثري وكريم لكنه بدوّي الطباع ويفتقر إلى التمدّن، من مثل:

" دليمي احترگ بيته، فإجت سيّارة الإطفاء تطفيّه، سد عليهم الدرب وگال الهم: بالحرام ما تطفّوهه الاّ اتّغدّون".

وهي كما نرى نكتة تستوفي جميع الشروط التي ذكرناها آنفاً.

بينما كانت النكات التي تُطلق على أهل الناصريّة تستهدفهم على أنّهم (خبثاء)، وكان قد أطلق على هذه المدينة الباسلة لقب (الشجرة الخبيثة) الذي يُرجعه البعض إلى أيّام الإحتلال البريطاني بواكير القرن العشرين، وأحياه البعثيّون في ما بعد:

"واحد من أهل الناصريّة أبوه طرده، فكتب على باب البيت: يعيش حزب الدعوة". وهذه النكتة مزدوجة الهدف كانت قد اُطلقت أيّام كان مجرد ذكر اسم (حزب الدعوة) يجلب الويلات. وهي كما نرى مصنوعة بهدف إثبات (خباثة) الناصري حتّى مع أبيه.

نعود إلى نكات الأكراد التي كان النظام قد مهّد لها منذ أيّام (العصيان) الجبلي في منتصف السبعينيّات، والتي كان أكثرها يتركّز حول شخصيّة (الملاّ مصطفى البارزاني) ومقرّبيه من البيشمرگة:

"واحد من البيشمرگة إجه للملاّ مصطفى رافع إيده بعلامة النصر، فالملاّ گال له: ها.. انتصرتوا؟ جاوبه: لا بقينا بس اثنين".

وهذه النكتة الذكيّة مصنوعة بطريقة يُراد منها ليس النيل فقط من الحركة الكرديّة المسلّحة فقط، وإنّما ترويج فكرة انتصار الجيش الحكومي على مسلّحي الأكراد وإبادتهم، وهي بالتأكيد إحدى النكات المصنوعة، على بساطتها، صناعة محكمة.

أما بعد انتهاء الحقبة البعثيّة وتولّي السيد (جلال الطالباني) منصب رئيس الجمهوريّة، فقد تحوّلت النكات المصاغة حول الأكراد إلى المس بشخصيّته الطريفة المميزة، ولطالما ظهر (مام جلال) وهو يروي بنفسه ضاحكاً، النكات التي صيغت حول شخصيّته، وهي نكات شعبيّة لا تكمن وراءها أيّة مؤسسة رسميّة: "مام جلال سألوه: كم سورة بالقرآن؟ گال كلّه كتابه ولا (سورة)"، وهنا نتلمّس فكرة اللعب على عدم امتلاك اللغة الكرديّة لبعض الحروف العربيّة وهي الثيمة التي كان يُصاغ العديد من نكات الأكراد منهاـ إضافة إلى صفة (الغباء) التي كان النظام البائد يحاول إلصاقها بالشعب الكردي من خلال تلك (البروباغندات) المرتبطة بمعركته ضدّهم.

لقد انتهت بانتهاء حقبة البعث تلك المحاولات التي كان الهدف منها الحطّ من شأن مناوئيهم من دليم وأكراد وشيعة، وابتدأت مع التحوّل الذي أعقب عام 2003 موجة جديدة من النكات تستهدف السياسيين من رجال الدين الذين أثبتوا أنّهم أهلٌ لذلك. وصارت النكات حولهم تُروى علانية بعد انتشار الإنترنيت ورواج صفحات التواصل الاجتماعي، ونُسي أمر أولئك الذين كانوا يشكلّون المادة الأوّليّة للنكت البعثية.

لكن ما يؤسف له أن النكات التي تستهدف الشعب الكردي قد عادت للظهور مع دعوة السيد (مسعود البارزاني) للانفصال عن العراق، وصارت تصلني على البريد الخاص العديد من النكات التي أراها محاولات شعبيّة دافعها رفض هذه الدعوة، ووصف الشعب الكردي على أنّه غير قادر على أن يعيل نفسه فيما لو أحاط نفسه بالحدود، كان آخرها النكتة السوداء التي تقول:

"أكو فد كردي خبّأ فلوسه بمكان ونسى وين، فراح لمركز الشرطة يشتكي، فقال له ضابط الشرطة: إذا أنت ضامهن ومتدري إحنه شكو؟ فقال: إي كاكا جيت حتّى تكتلوني بلكي أعترف".

ولي أن أعترف أيضاً أن سيلاً جارفاً من النكات سوف يطلقه مطبخ الشارع العراقي، لن يتوقّف ما دامت الدعوة إيّاها قائمة، وهو ما لا نتمنّاه لأكراد العراق، أشقّائنا الذين قاسمناهم النكات بعدالة.

Top