المحرر:
كريم راهي

أبو طگّة وابو طگتين

أبو طگة وابو طگتين     2017/09/15 17:43 عدد القراءات: 2319




كريم راهي

رغم أن بيع الخمور مسموح به في نطاق مدينة بغداد فقط، إلا أنّني لم أقضِ ليلة أو أكثر، في هذه المدينة العراقيّة أو تلك، إلاّ والتقيت بخمّاريها وهم على أفضل حال من (التموين)، على أن الوضع لا يخلو من أزمات وشحّة بعض الأحيان، سببه قدرة السيطرات التي تقع على الطرق الخارجيّة ومداخل المدن على اكتشاف وجود عدد من (المهرّبات) يمكن لصاحب الشأن ضمان حيازتها إن كان حاذقاً في التعامل مع الشرطيّ المكلّف بالتفتيش، وإرضائه.

على أنّ أنباء العثور على شحنات كبيرة من الخمور المهرّبة في نقاط التفتيش تلك، والتي تطالعنا بين حين وآخر، تبعثُ على الشعور بأن هذه النقاط التفتيشيّة قد قطعت شوطاً كبيراً في هذا المضمار، وبرع (منتسبوها) في قراءة وجوه مهربّي الخمور للاستعمال الشخصي، إمّا من خلال قراءة الوجوه بطريقة (لواعيب المحيبس)، وإمّا بأجهزة السونار الحديثة مكلِّفة الأثمان، أو بالكلاب البوليسيّة المدرّبة على تمييز روائح الكحوليّات بكل أصنافها، بالشكل الذي جعلها تنسى أنها مكلّفة بالأساس بمهمّة أخرى صارت مع الوقت لا تتقنها.

موضوع تهريب الخمور للمتاجرة هنا ليس له من أهميّة تُذكر، فهو اتّفاقيّات وصفقات خارج نطاق الموضوع لأنّه معروف للقاصي والداني من هم القائمون على عمليّات التهريب، وما هي مواقيتها، وكيف تمّ تمرير صفقات الحصص اليوميّة للمحافظات منها. إلا في حالة اختلاف أولئك فيما بينهم حول الحصص والنسب المئوية، فيبدأ اللغط في (السوق) حول شحّة المشروب لأن السيطرة الفلانيّة أمسكت بواحد من لوريّات البضاعة إيّاها، فيصعد (السوق) ساعتها، وتبدأ الأنواع الرديئة في الخروج من مخابئها للعلن، لتُسمع بعدها الأخبار حول انجلاط هذا ووفاة ذاك، ممّن ألجأهم الفقر لتناول هذه السموم.

ومناسبة الحديث أن سيطرات مداخل مدينة الناصريّة، لا يمّر أسبوع إلا وتأتينا منها بشائر إحباط محاولة إدخال شحنة كحوليّات للمدينة، وتُظهر لك الصور كراتين العرق والويسكي والبيرة، التي سيستحيل معرفة مآل مصيرها، وقد تحلّق حولها الضبّاط والأفراد في لحظة نشوة، لأنهم تمكّنوا من ذلك. والعجيب أن أخبار هذه البطولات الجماعيّة تحدث عند مداخل الناصرية دون كلّ المدن، لسبب أفسّره بأنّه ولع الناصريين بالخمرة المرتبط بولعهم بالغناء، منذ فجر التأريخ للآن، ويفسّره غيري على أنّه تشدّد فوق العادة في نقاط التفتيش عند مداخل الناصريّة بالذات، التي تفرض شروطاً إضافيّة على الداخلين إليها، هي الكفالة.

قبل تفجير المطعم والسيطرة بأيّام، طلّ علينا واحدٌ من أخبار تلك البطولات بشكل غير مباشر، فقد ارتفع سعر قنّينة العرق من خمسة عشر ألف دينار إلى عشرين، في إشارة يفهمها خمّارو المدينة على أنّها لا بدّ وأن تكون بسبب (إحباط) تمرير شحنة كحول كبيرة. اتّصل بي صديق غالباً ما كنت أراه رائق المزاج، وقد بدا أنّه يتكلّم بمزاج متعكّر، طالباً منّي في ما لو جئت في زيارة، أن أجلب له معي علبة (شامبو) كبيرة، فوعدتهُ خيراً، لكنّه ألّح في طلبه قائلاً:

-       مروتك أبو حاتم.. مو (أبو طگتين) راح يمردنه!

-       ميصير أجيبلك أبو طگّة؟

ثم انطلقت من كلا الجانبين ضحكة مجلجلة، في ذكرى جلسة (شقّة البتّاويين) التي ما زالت مستقّرة في ذاكرة كلينا، رغم مرور أكثر من ربع قرن عليها. ففي منتصف تسعينيّات القرن المنصرم، حدث أن الرئيس الفذّ، صحا من النوم ليجد نفسه مؤمناً بلا سابق إيمان، لتطالعنا الأخبار أنّه قرّر أن يُطلق حملة إيمانيّة اضطّرت حينها الآلاف من البارات من جنوب البلاد حتّى شمالها، مخلّفة عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل الذين لا يتقنون سوى التفنن في عمل اللبلبي والجاجيك، وتقديم الشراب لطالبي اللذة. فانتقل الجميع إلى الشقق المستأجرة لأغراض اللهو، ومنها عمارة (أم رشا) التي كانت كشأن الكثير من شقق (البتّاويين) من شروط سُكنى العوائل. وهذه المنطقة لمن لا يعرفها، كانت ولا تزال أكبر بؤرة توفير أسباب اللذة في عموم بغداد.

صار عليّ أن أتردّد على صديقي الناصري، نزيل بغداد آنذاك، كلّما راق لي أن أمضي وإيّاه سهرة نحاول فيها التخفيف من ضغوط العمل وكساده، ونزول السوق وصعوده. وكان الحصار أيّامها قد فعل فعلته بالعراقيين.

آتي أنا من البيت بصحون (المزّة) المبالغ في إعدادها، فأجده قد فرش الجريدة على الأرض وهيّأ الأجواء لسهرة ستكون لا شكّ سعيدة.. يسمع صوت منبّه سيّارتي المميز، فيأتي مُسرعاً لكي نذهب للتموّن قبل حلول الظلام. ووجهتنا في العادة بائع خمور في واحد من الأزقّة القريبة. ويحدث أنّنا في يوم من الأيّام لم نتمكّن من الحصول على مؤونتنا لأنا جئنا متأخّرنا بعض الشيء، فاقترح صاحبي أن نذهب إلى بيت (أبو إيشو) في الجوار، للتموّن بالمُسكّرات المصنّعة محليّاً داخل تلك البيوت. وقبل أن نطرق الباب أطلّ علينا الرجل وقد تهلّلت أساريره، لأن بضاعته كانت أيضاً كاسدة كحال كل بضائع الدرجة العاشرة تلك الأيّام، مُمنّيا نفسه ببضع مئات من الدنانير يضمن بها قوت عياله، إيشو وأخوته. أدخل الرجل رأسه داخل شبّاك العربة وسألنا عن حاجيتنا فأجابه صاحبي بسؤال عمّا عنده للبيع من الشيء إيّاه، فسمعت الرجل يقول:

-       عدنه ابو طگة بثمنميّة، وابو طگتين باربعميّة! 

فقرّر صاحبي، بعد أن التفت إليّ ورمقني بنظرة، أن يكرمني هذه الليلة بالصنف الأغلى ثمناً، موجّهاً كلامه لأبي إيشو:

-       أبو طگّة لطفاً.

عدنا إلى عمارة (أم رشا) غانمين، بُجر الحقائب كما يقول الشاعر (الأحوص) عن المارّين بالدهنا بعيابٍ خفاف. وتسلّقنا السلالم حتّى الطابق الثالث، ثم بدأت طقوس التحضير لسهرة ستكون لا شكّ، سعيدة.

لا أدري كم كانت الساعة حين صحوت والصداع يكاد يفجّر رأسي، بيد أنّني أدركت بعد ذاك أنها كانت الواحدة بعد الظهر، وجهدت في أن أسترجع من ذاكرتي آخر تفصيل من سهرة الأمس فلم أفلح إلاّ بتذكّر أن الرؤيا كانت قد غامت في عينيّ، ثم يبدو أنّني أغشي عليّ بعد كأسين أو أكثر.

صاحبي كان قد صحا قبلي بقليل، وسمعته يحضّر الفطور وهو يغنّي بحماسة، فسألته:

-       أگول.. أمس شنو صار؟

فأجاب بدون أن يلتفت إليّ:

-       الظاهر طرحك (أبو طگّة).. أنتو النواعم جماعة الستندر أبو القبغ البرتقالي.

ولمّا كنتُ قد تساءلت في سرّي وأنا أسمعهما بالأمس يتحاوران في عدد (الطگّات)، لم أكلّف نفسي تفسيره لمعنى ذلك إلا في هذه اللحظة التي طرق فيها تلك التسمية الغريبة سمعي، فسألته ثانية مستفهماً عن الفرق ما بين الخيارين اللذين طرحهما (أبو إيشو) فأجابني موضّحاً:

-       شوف عيني.. أبو طگة يسبب بس عمى، أمّا أبو طگتين فيسبب عمى وشلل.. لذلك كرّمتك وجبتلك من النوع الغالي.

 

Top