تفاصيل عن حاتات التكسي

تفاصيل عن حاتات التكسي     2017/09/11 15:42 عدد القراءات: 5588




أركب، بشكل يكاد يكون يوميّاً، سيّارة تكسي لمرّة واحدة على الأقل، أتعمّد أن يكون سائقها ذا ظرافة بائنة على ملامح وجهه، وحيلتي في ذلك هو عرض سعر أقل مما هو ملائم فيما لو كانت ملامح السائق لا تشي بذلك، فأضمن رفضه، والحصول على هدف تالٍ، في العادة شاب مبتسم، أو كهل بنظّارة. والسبب هو أني أريد ضمانة حديث قد يكون مشوّقاً  للنصف ساعة أو أكثر التي سأقضيها في الطريق أو في طوابير انتظارات نقاط التفتيش. وجهتي في العادة الكرّادة طبعاً أو شارع المتنبي، أو أي شأن آخر. وبقراءة قصيرة لطريقة تفكير السائق سأستلّ منه الحديث الذي سأديره بحنكتي في ما بعد.

الطريف أنّي رافقت الكثيرين ممّن كانت طرائق حواراتي معهم تقود إلى الحديث عن النساء، فأنا أملك بطبعي فضولاً بشأن موضوع شريحة معيّنة منهنّ، وأعني هاتيك اللائي يحاولن الاحتيال بطريقة إغواء سائقي التاكسيّات، بغرض التملّص من دفع الأجرة، وهنّ كما قال لي سائق الليلة الفائتة أنّه يلتقي منهنّ واحدة على الأقل، كلّ يومين.

صارت لسائقي التاكسيّات على هذا الأساس خبرة عريضة في معرفة هذا الصنف منهنّ، من طريقة اللبس وكيفيّة التأشير، والحركات التي يبدينها أثناء الرحلة. بعضهم يقول أنّه بمجرّد أن ينطلق بزبونة من هذا النوع، وتبدأ محاولاتها في الكشف عن نواياها، حتى (يلزم بريك) عند أقرب رصيف، ويطلب منها أن (تُريه عرض كتفيها)، والبعض الآخر يزعم أنّه يستمر في رحلته الخسرانة هذه، لمعرفة المزيد من تلك الأساليب، يدفعه في ذلك (الفضول).

هذه الليلة، وأنا عائد من الكرّادة للسيديّة، وهي مسافة تُقطع في الظروف العاديّة بنصف ساعة، عثرت على ضالّتي التي كنتُ أنشدها طوال سنّي اكترائي للتاكسيّات، محدّث لبق في الثلاثينات من عمره، ضخم الجثة قليلاً، بشاربين نازلين للأسفل، وشعر طويل. قال أنّه لم يزنِ في حياته قطّ، ولم يتذوّق الخمر.

أما مناسبة تحويل دفّة الحديث إلى ما كنت أرمي إليه، فهو منظر شابّة كرّاديّة، رشيقة وجميلة قرب منطقة (أبي قلام) ترتدي الجينز الممزّق عند الركبتين وقريباً من الفخذ، كانت تنوي تأجير تاكسي، فتقاطرت أربع تكسيّات وراء بعضها كان كل واحد من سوّاقيها، يمنّي نفسه بالفوز بها زبونة.

علّق صاحبي: "هذي لو تدفع بس ألف هم السايق يوافق!.. صنفي وأعرفه".

وقعتُ على ما كنت أبحث عنه، قلت في نفسي، ثم بدأت في خبثٍ  غير قابل للاكتشاف، باستدراج سائقي للحصول على حديث أدرت دفّته خلال ثوان، صوب ما أرمي إليه:

  • يمكن الأخت فقيرة وملابسهه ممزّقة؟

فأجاب بثقة، بعد أن لحظ أنني أحمل كيساً كبيراً من الكتب وأشياء أخرى:

  • هاي شگد غشيم انته استاذ.. هذا موديل والملابس من هذا النوع ماركات غالية.

في هذه الحالة يتوجّب عليّ حثّه للكشف عن المزيد من أسرار المهنة، فانطلق السائق مغرّداً بالحديث عن واحدة من زبوناته قال إنّها كانت محجّبة وترتدي الجبّة، وكان وجهها خالياً من المساحيق، ما أن صعدت حتّى رنّ هاتفها وكان المتحدّث على الطرف الآخر أمّها كما عرف من الحوار الذي جرى:

  • ألو.. نعم ماما.. يعني وإذا عدنه فاتحة يعني ماشوف صديقاتي، عازماتني ورايحين لمطعم بالمنصور.

وبالفعل فالبنت كانت قد طلبت منه التوجّه بها إلى المنصور عند ركوبها، هنا – والقصة للسائق- رنّ هاتفها ثانية وكان المتحدّث رجُلاً هذه المرّة:

  • إي طبعاً يعني شلون الوحدة متشوف صديقاتها؟

مع عبارات رفض تخللتها لاءات كثيرة وتشنجات لم يفهم صاحبي معناها وسببها إلا بعد أن رنّ الهاتف ثالثة وكانت الأم أيضاً:

  • إي ماما وشنو سلطته عليّة؟ لمن أصير ببيته يالله يفرض عليّ الطبّة والطلعة، هسه آني بعدني ببيت أهلي.

يقول السائق أنه أراد أن يكون (محضر خير) فحاول فتح حوار معها من أجل التخفيف عن كم الاضطراب الذي صار يتضاعف في ردود أفعالها المتشنّجة، لكن اتصالاً رابعاً أجابته هذه المرة بهمس جهدت في أن لا يكون مسموعاً، يقول أنّه وجّه كل حواسه إلى أذنيه بدافع كبير من الفضول فالتقطت أذناه، رغم تستّرها الكبير، مفردات مثل "إي حبيبي بالطريق" و "دقايق وأوصللك خللي الباب مفتوح" وما إلى ذلك من عبارت تشي بأنها ذاهبة إلى موعد غرامي. وبالفعل فقد شرعت بعد ذلك الاتصال بنزع الجبّة والحجاب ونثر الشعر وتعديله، ووضع الميك أب بشكل قال أنه احترافيّ، ثم في أحد الأزقة بالقرب من (الرواد)، أشارت له بالنزول بعد أن دفع أجرة مضاعفة، وبسرعة البرق نزلت، ثم دخلت في منزل بباب موارب، اصطفق وراءها بهدوء.

قلت له متغابياً أكثر "ليس الأمر كثير الغرابة.. عندك قصة ثانية؟"، قال اسمع هذي:

فتاة دون العشرين بملابس تكشف عن مفاتن، أشارت لي فتوقّفت لتفتح الباب الأمامي وتجلس قائلة:

  • من هسه أگلّك.. ترة ماكو كروة.

يقول أنه وافق بدافع الفضول، ففتاة بمثل هذا الجمال والهيئة المثيرة لا بدّ أن ورءها قصّة.. أنزلت المظلّة الشمسيّة ثم تطلّعت في مرآتها قليلاً وأرجعتها بقوّة قائلة:

  • صخلة.. عاب هالشكل!

التفتت لتسأله إن كانت تشبه (الصخلة) كما وصفت نفسها، فلم يبدِ جواباً.. يقول أنّها أرادت استفزازه أكثر بعد أن لاحظت عدم استجابته بأن سحبت طرف تنّورتها للأعلى قائلة:

  • وسيقاني حلوات لو لا؟

وهنا لم يتحمّل صاحبي الموقف، حسب زعمه، فسألها ناهراً:

  • إنتي شبيچ سكرانة؟

يقول أنّها أجابت بكلّ أريحيّة:

  • هاي شمدريك سكرانة؟ شاربة نص (ريد).

التفق عليّ السائق قائلاً: والله العظيم استاد ما أعرف شنو الريد، عمري لا زنيت ولا شربت.

حان دوري بعد أن وصلت قريباً من المنزل، لأكون إنسانيّاً بعض الشيء، فأفسر له معنى (الريد).. أخرجت زجاجة من الكيس الأسود الذي كنت أحمله، ثمّ أشرت على الملصق الأحمر المزيّن بصورة (السيد جوني ووكر) بقبعته وعصاه قائلاً:

  • مثل هذا.. ريد ليبل.

Top