مقدّمة أولى عن الغرق

مقدمة أولى عن الغرق     2017/09/08 17:06 عدد القراءات: 1494




كلّفني الناشر الصديق فارس الكامل، صاحب دار المعقدين، بمراجعة أحد الكتب الذي أعتقد أنّه سيحظى بمكانة مهمة في المكتبة العربية، لرصانته وجدة موضوعه، ووضع مقدمة له أشترط أن تكون مميّزة. حسنٌ.. قرأت الصفحات الأولى من الكتاب فوجدت أنّه يستحقّ فعلاً تقديمه بتميّز، فشمّرت عن ساعديّ وبدأت بالكتابة بعد أن انتهيت من مراجعته، مدفوعاً بجزء من موضوعه يتعلّق بمادتي الأثيرة للكتابة: الغرق.

ثم وجدتني بعد ذاك أقرر أن تكون المقدمة بثلاثة فصول، كل واحد منها يتناول الغرق من جهة مختلفة. ووضعت لها عنواناً هو (ثلاث مقدّمات عن الغرق) أرى أن أولاها جديرة بأن تُقرأ بمعزل عن الأخريات، لتعلّقها بموضوعي طالما شغل الرأي العام العالمي منذ عامين، أعني قضية الهجرة إلى أوربا التي انطلق من تركيا مروراً باليونان فمقدونيا فصربيا فهنغاريا والنمسا وألمانيا التي كانت وجهة نهائية للكثيرين فيما استمرّ آخرون بالصعود إلى اسكندافيا ففنلندا التي كانت محطّة أخيرة. المقدمة الأولى كما ستظهر في الكتاب الذي سيعلن عن إصداره قريباً:

"لم يشغلني في مسألة الموت مسبّبٌ أكثر من الغرق! فقد ارتبط عندي هذا بذاك منذ أول تماسّ لي والغياب؛ غرق ابراهيم، ابن حارتي، وأنا بعمر الخامسة، اختفى للأبد ولن يعود! هكذا قيل لي، وهكذا فهمت الموت والغياب. وُلدنا قرب شاطئ نهر، وتعلّمنا السباحة فيه قبل تعلّمنا فكّ حروف القراءة، هذا النهر اعتاد أن يبتلع كلّ صيفٍ واحداً أو أكثر من الأولاد، سنفتقدُ في صيف تالٍ مواضعهم في فريق كرة القدم في الجزيرة الصغيرة وسط النهر فنُعيضها بآخرين.

في (ساعي بريد الغرقى)، كتابي الشعريّ الأوّل الذي صدر وأنا في بداية العقد السادس، حاولت أن أختزل مخاوفي من الماء في نصّين اثنين، لا بل ثلاثة، كُتب أحدها بتأثير من (فرجينيا وولف) المنتحرة غرقاً، وأخذ عنوانه من صيحتها الجهيرة وهي تُلقي بنفسها في الماء: إليكِ أيّتها التجربة! كانت نصوصاً قصيرة على أيّة حال لم يتسنّ لي فيها قول الكثير، فالشعر اختزال. لكنّي في كتاب الحكايات، الذي صدر بعد المجموعة الشعريّة بأعوام، استغلّيت المساحة الواسعة التي يمنحها السرد، فقلت أكثر؛ تحدّثت عن حادثة إبراهيم بوضوح، وكتبت عن ظروف ولادة (مرثية صانع المؤثّرات المرئية)، المكتوبة لأجل صديقي (نيكلاس نيكلاسّون) الذي قضى غرقاً بتحطم قاربه على صخرة، وقصصت الكثير من الحكايا عن الغرقى.

قبل شهور أعلمني خِلّي العتيق (مكّي السلطاني) أن جثّة ابنته وزوجها ستصلان على ظهر الطائرة القادمة من اسطنبول، بعد أن انتهت التحقيقات بشأن ملابسات غرقهما في بحر إيجة وهما في طريقهما للمهجر، في أكبر عمليّة هروب جماعي شرق أوسطي إلى أوروبا. جيء بالصندوقين الأبنوسيين الأنيقين إلى المطار، وحُملا إلى مقبرة (وادي السلام) بالنجف مروراً بالمُغتسل. كنتُ أزجي الطرف مختلساً لأرى كيف يمكن لمخلوق أن يرى بأمّ عينيه جنازة ابنة له وهي تُودع الأرض إلى الأبد. هذا قلبٌ غشاؤه جلد تمساح لا ريب، قلب الأب الذي يدفن بيديه ابنة له، قلت لنفسي.

في قصيدة للراحل عبد الرحمن الأبنوديّ، كتبها إلى عمّته (يامنه) التي يعلّق أنّها آخر من تبقّى من الأبنوديّين القدامى، يقول على لسانها مخاطبة إيّاه، وهي التي شهدت موت ابنتيها رضيّة ونجيّة بأمّ عينيها:

"إوعى تعيش يوم واحد بعد عيالك.. إوعى يا عبد الرحمن!

في الدنيا وجع وهموم أشكال والوان.. الناس مابتعرفهاش

أوعرهم لو حتعيش بعد عيالك ماتموت

ساعتها بس .. ح تعرف إيه هوّه الموت".

ثُمّ وصيّتها الخالدة إليه، فيما لو دعاه الموت: "أوّل ما يجيلك نطّ!".

لكنّ مكي شهد ذاك، شهد موت (عياله)، لا بل وعيال عياله قبل أن ينطّ للموت.. حفيديه من ابنته اللذين صارا طعاماً لسمك المتوسّط، وخبر معنى موت كلّ أولاء في حياته، الموت الذي حذّرت منه (يامنة) ابن أخيها (عبد الرحمن). رأيته يبكي بُكاءً مريراً فيما (الدفّان) يلقّن الابنة المنتشلة من البحر وصاياه في ملاقاة منكر ونكير، وكيفية الاحتيال عليهما في الإجابة فيما لو سألاها عن دينها وقبلتها ونبيّها وشرابها وغير ذاك من الخطبة التي حفظناها عن ظهر قلب لكثرة ما وارينا التراب من أحبّة:

"فإذا سألك الملكان فقولي الله ربي ومحمد نبيي وعلي إمامي والكعبة قبلتي والحوض شرابي".. إلخ.

سألت الأب المفجوع بابنته وزوجها وولديها بعد عودتنا من الدفن، إن كان ثمّة من أمل بالعثور على جُثتي حفيديه اللذين ماتا غرقاً مع والديهما؟ كانت عينا الأب ما زالتا تتدفّقان بالدمع.. قال لي:

-       الذي يقتلني أكثر هو تصوّر محنة ابنتي وهي ترى ابنيها يغرقان أمامها ولا حيلة لتلبية استغاثتيهما.

قال ذاك.. ثمّ عاد لنحيبه الأزليّ".

Top