كريم راهي

شكراً للفوج الرئاسيّ

شكرا للفوج الرئاسي     2017/09/04 18:54 عدد القراءات: 1847




كريم راهي

 

أدركت ليلة أمس، وأنا متوجّه لصوب الرصافة، أن لسيطرة جسر الجادرية محاسن بمثل ما لها من سيئات، منها أنّك ستتعرّف على جديد الغناء العراقي، قسراً لا طوعاً، فإن سوق الهرج والمرج الذي أوجد نفسه في هذا المكان، لم يكن ليوجد اعتباطاً، فكل نظريّات نشوء المجتمعات كانت تحتّم أن يتحوّل مثل هذا التجمّع البشري إلى كيان اجتماعي له نواميسه الخاصّة، التي ستغدو ظاهرة، فسلوك عام.

 

تنشأ المدن قرب المياه عادة، ساحل بحري أو مجرى نهر أو عين ماء، يشذّ عن هذا القليل، وتقوم على أساس وجود خصوبة أرض تأتي بالنتيجة بوفرة زراعيّة ستدعو لتكوّن طبقة تجاريّة يتبعها استكمال باقي الضرورات. على أن المنتفعين من هذه التجمّعات البشريّة من الطفيليين سيكون متواجداً لا ريب؛ اللصوص والشحّاذين وما إليهم. وهكذا نشأت تجمعات بشريّة عظيمة (تمصّرت) في ما بعد فصارت مدناً، مثل البصرة وبغداد والكوفة.. إلخ.

 

مجتمع (سيطرة الجادريّة) البشري لا يختلف كثيراً عن هذه المدن، إلا بالأسباب التي دعت إلى تكوّنه، وبالضرورات التي حتّمت نشوء المهن فيه. فانتظار ساعة في مسافة لا تزيد عن الخمسمائة متر تدعو لأن تقوم شركة إعلانات محترمة بتركيب شاشة عملاقة تعرض عليك بعض نشاطات السيد رئيس الوزراء على سبيل الترويح، وستنشأ المهن التي يتطلّبها مثل هذه التجمّع البشري المتفرّد، فعلاوة على وجود المتسوّلين بشتّى أشكالهم وماسحي زجاج السيارات بالإجبار، هنالك باعة الماء والشاي والورود وأسلاك شحن الهواتف النقّالة، وبالطبع باعة الأقراص الغنائيّة بمكبّرات الصوت الجهيرة التي تصدح بأغانٍ لا فكاك من الاستماع لها، بل وحفظها لطول فترة انتظار العبور للرصافة، وبالطبع فإن أغلبها من إنتاج (ميوزك الحنين) الذي يصدح فيه صوت المطرب (نور الزين) مجلجلاً بكلمات الشاعر (ضياء الميالي):

خايف من عندي                 تحچي انته بظهري

حط روحك صامت               يا الوكتك فايت

يا هوسة وخبصة                 خل صوتك ينصه

ولا تطّول لسانك                 لا بيدي أگصّه

لم يأت الربيع العربي برؤساء جدد وأنظمة حكم أكثر صرامة فحسب، بل بتقليعات اجتماعيّة جديدة رافقت الوعي الجديد الذي فرضته الأخلاقيّات المتولّدة، وعلى الرغم من إن هذا الربيع لم يأت عندنا بأكُلَه، إلا أن شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً في تمرير الأخلاقيّات (الربيعيّة) الجديدة إلى مجتمعنا، فنشأ جيل من العاطلين عن الحياة، دفعهم الفقر إلى هذا التجمّع اللامائي، والقيام بهذه المهن عملاً بمبدأ (التبربش ولا العمى).

 

انتشر بالأمس القريب، وعلى شبكات التواصل، تسجيل فيديوي لسابقة خطيرة، كانت قد ظهرت قبلاً في تسجيلات سابقة لاثنتين من دول الربيع العربي، هما تونس الخضراء، ومصر.. أرض الكنانة. هذه السابقة التي ساهمت بها لا ريب أخلاقيّات ربيع العرب، ومهّدت لظهورها عندنا أغنيات (ميوزك الحنين) الخلاّقة، هي ظاهرة التحرشّ الجماعي التي لم نسمع بأنّها حدثت قبلذاك عندنا.

 

التسجيل الفيديوي الذي انتشر مؤخلاً على الفيسبوك، يدعو للاعتقاد بأن مستقبل العلائق الآدميّة في هذا المجتمع صار ينذر بالخطر، لا بل هو قد دخل منطقة الخطر فعلاً. فتاة تسير بمفردها، في مكان عام يفترض بأنّه آمن، تبدأ فجأة مجاميع من (الشباب) بالصياح والصفير خلفها، ليتطّور الأمر إلى نهش وصياح وصرخات استنجاد ووو.. عجيب! إلى هذا الحدّ وصل انحطاط الأخلاق؟

 

من مجتمع متمدّن متعاضد، وشباب يملؤون الدنيا صخباً بنقاشاتهم الفكرية حول آخر صيحات الأدب والفن والثقافة، إلى ميوزك الحنين وصرعات ما بعد الربيع العربي؟ إن لي الفخر أنّي قد جايلت شباب مقاهي الرشيد وحانات إبي نؤاس في سبعينيات القرن الفائت، الجيل الذي كان عدد مرتادي الجوامع فيه يكادون أن يكونوا غير ملحوظين، وعدد محجّباته من الشابّات في إي تجمّع بشري مختلط لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. الجيل الذي كانت عبارات (التحرّش) فيه، إن جاز لها أن تُسمّى هكذا، من قبيل (أروح فدوة لهالعيون) أو (صدقة لهالطول) تُقال بهمس، مصحوبة بنظرة إعجاب وافتتان تدفع (المتحرّش بها) لأن تُردّ بابتسامة على حياء.

 

أي مستقبل ينتظر هؤلاء، مجتمع ماسحي الزجاج وباعة الشاي وچنابر السكائر المتنقّلة؟ وكيف سيتمكن واحدهم من إنجاب أطفال وتأسيس عائلة؟ وما هي تركيبة الجيل القادم الاجتماعيّة؟

 

الفقر يولّد فقراً، وهذه نتيجة، كل المجتمعات فيها فقراء، لكنّه لم يكن في كلّ الأحوال سبباً في انحطاط المجتمعات، ليس الفقر سبباً، إنّما التجهيل.. ترسيخ الجهل، وتمجيد التخلّف بقصد معروف!

 

شكراً للفوج الرئاسي، حرّاس سيطرة جسر الجادريّة الذي أشعرنا بأنّنا ماضون إلى التجهيل، شكراً ميوزك الحنين لفاصل الطرب القسريّ. وشكراً لكل من ساهم من شباب (الزوراء) في فقرة التحرّش الجماعي، فأشعرنا بأننا مجتمع عاجز، لا حول له ولا قوة.

Top