اللهم صل على محمد وآل محمد

اللهم صل على محمد وآل محمد     2017/08/25 18:19 عدد القراءات: 2228




الفقراء والمعدمون، على مرّ الدهور، هم المادّة الأساسيّة للمبشّرين والدعاة (على مستوى الأديان أو الأفكار لافرق)، الذين حلّ محلّهم هذه الأيّام، بعد أن كفّ أولئك، مرشحو الانتخابات الذين لا ريب كانوا قد قرؤوا التأريخ واخذوا كامل العبر عنه. وهم في كل دورة انتخابيّة، نيابيّة كانت أم على مستوى مجالس المحافظات، ينشطون في هذه البيئة المعدمة، في سبيل الوصول إلى غاياتهم، مرّة بالوعود، ومرّات بالمشاريع التي يكون ظاهرها إنساني، وباطنها رأسمالي صرف (اقتصادي).

في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وبعد طول تداول، قرّرت مجموعة من الشباب الأمريكيّين الدُعاة، تأسيس إرساليّة تبشيريّة هدفها إعادة سكّان الجزيرة العربيّة والخليج، إلى ما كانوا عليه من ديانتهم المسيحيّة، قبل ظهور الإسلام وصرفهم عنها. وبالفعل فقد شرعوا بتلك المهمّة الشاقّة واختاروا مدينة (بيروت) مركزاً لتعلّم العربيّة وجمع المعلومات عن المنطقة - الهدف.

وكانت خطوتهم الأولى التوّزع ما بين البصرة والناصريّة والعمارة بغرض الإنتشار في الخليج في ما بعد. وبالفعل فقد تمّ لهم، وبدعم من القنصليّة الإمريكيّة في البصرة، إنشاء مراكزهم التبشيريّة في تلك المدن، تحت غطاء بعثات طبيّة إنسانيّة عملت على بناء مراكز صحيّة لكي يكون التغلغل بعدذاك مشروعاً. وصار مسيحيّو الشام، من العرب الذين اصطحبوهم، مساعديهم في توزيع أدبيّاتهم من كراريس وأناجيل وغيرها.

ولم يكن الأتراك يومئذٍ يحفلون كثيراً بأمر الدفاع عن دينهم ضدّ هذه الفئة الكافرة، فقد كانت كيفيّة التعامل مع الأتراك قد سبقت المبشّرين قبل أن يأتوا إلى هذه الديار، فقد كانت كلمة (بقشيش) تركيّة الأصل، ذات الدلالات المفتاحيّة، من ضمن الكلمات القاموسيّة التي حفظها المبشّرون عن ظهر قلب، بغرض التغلّب على مضايقات الأتراك وجعلهم يصرفون النظر عن دعواتهم التبشيريّة.

كان يهود العراق هم الهدف الأكبر للبعثات التبشيريّة المسيحيّة، بعد أن يئسوا من صابئته الذين يقول المبشر الإمريكيّ (أدوين كاليفري) عنهم أن صعوبة إقناعهم بالتحول إلى المسيحيّة تعادل صعوبة الحصول على أسرار صياغة الفضّة منهم. وبلغ من إحدى البعثات في البصرة، أنها كانت تلجأ إلى القوّة في تحويل اليهود، حتّى أن حاكمها الإنجليزي، وكان ذلك أيّام الإحتلال، تدخّل لوقف نشاط هذه البعثة، وحسم الموقف.

أما مسلمو هذه المدن الثلاث، فكان هنالك تفاوت في التعامل معهم، ففي مدينتي البصرة والناصريّة كانت ثمّة أقليّة مسيحيّة قامت بدور مساند، واستطاعت البعثة من بيع وتوزيع أعداد لا بأس بها من الكتب الدعويّة، بينما لم يتفاعل مسلمو العمارة قطّ، لا بل أنّهم عمدوا في كثير من المرّات إلى تمزيق الكتب وبعثرتها، وتهديد الدعويين، كما أنهم قاموا بطرد أحد المتنصّرين فلجأ إلى البحرين!

وهنا سيأتي دور استعمال الحيلة القديمة – الحديثة...  نصرة الضعفاء.

نقلاً عن كتاب (ثرثرة فوق دجلة) الذي يحوي فصولاً مهمّة عن التبشير المسيحي في العراق، للمترجم والباحث البحريني (خالد البسّام)، يقوم الطبيب والمبشّر الأمريكي (وليم موردياك) الذي ورد العمارة عام 1933 خلفاً لأخيه، بتأجير قطعة أرض ليبتني عليها من الطين مستعمرة صغيرة للمجذومين الذين كان عددهم في العمارة نصف عدد مجذومي العراق آنذاك، وهم بتعبيره يشكّلون أفقر الفقراء من المشرّدين في العراق، ثمّ يبدأ بإيوائهم ومداواتهم، حتى ينجح في إشفائهم، وتعليمهم بعدها مباديء القراءة والكتابة ليتعلّموا المباديء الأساسيّة في الإنجيل. يقول موردياك:

"إذا أردنا مساعدة مرضى الجذام بطريقة أفضل وبوسائل أقوى، وإذا أردنا أن نطلعهم على تضحية المسيح وخدمة المسيحيّة للناس، فإن علينا مضاعفة العمل في هذه المستعمرة".

وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فهنالك طرفة تُروى عن محاولات تنصير مدينة العمارة والقرى التابعة لها، معروفة، وإن كان في إعادة روايتها من إفادة، فلا بأس من أن أنقلها كما سمعتها من صديق تنحدر أصوله من قرية (الميمونة) التابعة للعمارة. تقول الطرفة أنّ الجهود التي بذلها أعضاء البعثة التبشيريّة أوهمتهم أنّها قد أثمرت وأتت أكلها، وصار على الواعظ المكلّف بتنصير أهالي تلك القرية، أن يسأل في نهاية خطبته الوعظيّة إن كان أحد الحاضرين ممّن سيقوم بتعميدهم لديه سؤال حول خطبته تلك، فوقف أحد الميمونيّين وطلب منه توضيحاً أكثر حول معجزة الرب مع (أليعازر)، فأجابه بكل ممنونيّة أن المخلّص أحياه بلمسة واحدة، فما كان من الجميع إلاّ أن يصيحوا بصوت واحد، وبالنبرة المعروفة:

  • اللهم صلّ على محمد وآل محمّد.

Top